النهار

٢٧ يناير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٧ يناير-٢٠٢٦       5500

بقلم - علي بن عيضة المالكي

تتكشف ملامح الدور القيادي الحقيقي حين تضيق المساحات وتتسارع الأحداث، ويغدو القرار محاطًا بالضغط وتزاحم الاحتمالات. في مثل هذه اللحظات، ينتقل صاحب المسؤولية من حيز التخطيط الهادئ إلى ميدان الفعل المباشر، حيث تُقاس القيمة القيادية بوضوح الرؤية، وسلامة التقدير، والقدرة على تحويل الشدّة إلى منجز يرسّخ الثقة ويصنع الأثر.

الضغط ملازم لتحمّل المسؤوليات الكبرى، والفارق الجوهري بين من يدير الموقف ومن تصنعه الظروف يكمن في وعي التعامل معه. فصاحب البصيرة يتعامل مع الضغط باعتباره إشارة تنظيم، تعيد ترتيب الأولويات، وتضبط الإيقاع، وتحرر القرار من ضوضاء التفاصيل الثانوية. وبهذا الفهم، يتحول الضغط من عامل إرباك إلى محرّك فاعل للتركيز والإنجاز.

ومن أبرز التحديات المصاحبة للظروف الحرجة تداخل المهام، وتسارع التوقعات، وضيق الوقت. وتبرز هنا أول ملامح القيادي الناجح، وهي إدارة الذات قبل إدارة الآخرين؛ اتزان في السلوك، وثبات في الموقف، وقدرة على كبح الانفعال مع استمرار الحسم. فالاتزان الفردي يشيع الطمأنينة، ويؤسس بيئة عمل قادرة على الصمود والتقدم.

علينا أن ندرك شيئًا هامًا في القيادة: أن سياق العمل الضاغط يتطلب حكمة القرار، وهي صفة تتجاوز المعرفة الإجرائية إلى عمق الفهم.

فصاحب القرار الرشيد يحسن قراءة المعطيات، ويوازن بين المخاطر والفرص، ويمتلك شجاعة الحسم حين يضيق الوقت، مع صقل كل خطوة بالتفكير الاستراتيجي.

 القرار المدروس يمنح الاتجاه، ويصنع المعنى، ويفتح المجال للتقويم المستمر، بينما التردد الطويل يضاعف التكلفة ويحد من الاستفادة من الفرص.

من سمات القائد القادر على صناعة الإنجاز تحت الضغط القدرة على تمكين الآخرين، وتوزيع المسؤوليات بوعي، وبناء فرق عمل تتكامل فيها الأدوار وتتوحّد فيها الغاية. فالإنجاز في اللحظات العصيبة ثمرة عقل جمعي يقوده فكر منظم، ويغذيه وضوح الهدف، وتحكمه الثقة المتبادلة.

التواصل المؤثر يمثل أداة حاسمة لترسيخ النجاح. فوضوح الرسائل، وصدق الخطاب، والإنصات العميق، عوامل تقلص مساحة الالتباس، وتحتوي التوتر، وتحفّز الالتزام. وعندما يشعر الأفراد بأنهم جزء من الرؤية، يتحول الضغط إلى طاقة إيجابية، ويغدو الإنجاز مسارًا مشتركًا.

تبلغ الصفات القيادية ذروتها حين يحافظ صاحب القرار على البعد الإنساني وسط الشدّة؛ تقدير الجهد، والاعتراف بالعطاء، واحتواء القلق، وبث الطمأنينة دون التفريط في الحزم. القوة الحقيقية تتجلى في الموازنة الدقيقة بين الحزم في القرار والرقي في التعامل.

ختامًا، إدارة اللحظات الحرجة ممارسة ظرفية تتحوّل إلى بناء متكامل من الوعي، والحكمة، والاتزان، والشجاعة، والبصيرة. مع اجتياز الضغط برؤية صافية وقوة قرار متزنة، يتحول التحدي إلى منصة إنجاز، وتغدو المسؤولية رسالة أثر، ويُكتب النجاح بوصفه نتيجة حتمية لصاحب رؤية واضحة، وحسم رشيد، وأداء متزن.