الكاتب : النهار
التاريخ: ١٣ نوفمبر-٢٠٢٥       13530

بقلم - علي بن عيضة المالكي

ليست الإدارات في جوهرها سوى انعكاسٍ للنظام الذي يحتويها، فإذا غابت المساءلة، تجذّر القصور، وصار الفشل جزءًا من البنية لا من الخطأ الفردي.

القصور الإداري لا ينشأ فجأة، ولا يتجلّى صدفة؛ بل هو نتيجة تراكم طويل من التساهل، والتهاون، وتطبيع اللامسوؤلية داخل المؤسسات حتى يغدو الخلل قاعدة، والكفاءة استثناءً.

ينبغي أن ندرك جيدًا أن المساءلة ليست عقابًا بقدر ما هي مبدأ يضمن توازن القوة والمسؤولية.

في الأنظمة التي تفتقر إلى هذا التوازن، تتراكم الأخطاء بلا مراجعة، ويُكافأ الولاء بدل الإنجاز، فينحسر الإبداع وتخفت روح المبادرة.

هناك إدارات تبدو نشطة على الورق، لكنها من الداخل خاملة؛ تُصدر تقارير لا تُقرأ، وخططًا لا تُنفذ، وشعاراتٍ لا تُترجم إلى فعل.

حقيقية واقعية على المدير فهمها أنّ غياب الضبط الإداري يفتح الباب أمام العشوائية، فتتداخل الصلاحيات، وتضيع الأولويات، ويتحوّل الوقت إلى ساحة للجدل فيهمل للإنجاز.

وهنا يبدأ  القصور الإداري  في التحوّل من ظاهرة عرضية إلى ثقافة مؤسسية.

القائد الإداري في النظام السليم هو من يملك رؤية، ويستند إلى معايير موضوعية في اتخاذ القرار.

أما في النظام الذي تغيب فيه المساءلة، فيكفي أن يكون "مرضيًا عنه" ليُمنح المنصب.

وهكذا تتقدّم المجاملات على الكفاءات، وتُقصى العقول الجادة لصالح الولاءات الصامتة.

القيادة في بيئة بلا مساءلة تميل إلى تبرير الفشل وتترك تصحيحه، وتتعامل مع النقد كتهديد لا كفرصة للتطوير.

ومع مرور الوقت، يصبح الركود نمطًا، وتُقتل روح التنافس الشريف بين الموظفين، لأن الجميع يعلم أن النتيجة واحدة: لا أحد يُحاسَب.

أيضا غياب المساءلة يمكن لها أن تؤدي إلى تآكل الثقة فيصبح التدهور الإداري لا ينعكس على الأداء الداخلي فحسب، إنما يمتد ليطال ثقة الجمهور في المؤسسات.

فعندما يرى المواطن أو المستفيد تكرار الأخطاء دون محاسبة، يترسخ لديه شعور بعدم الجدوى، ويضعف الانتماء للمؤسسة.

على المديرين والقادة مسؤوليات ليست بالسهلة، يتعين عليهم ممارستها والتعامل معها في منتهى المهنية، كما ينبغي عليهم الإلمام بمعنى المساءلة وأنها ليست أداة لإعادة البناء أو الترميم، لكنها ضمانة للعدالة التنظيمية.

إنها الصمام الذي يحافظ على توازن السلطة داخل الإدارات ويمنع تحوّلها إلى أدوات للمحاباة أو الاستئثار.

لذلك كله فإن إصلاح القصور يبدأ من الشفافية، فلا يمكن معالجة  القصور الإداري  إلا من خلال بناء نظام رقابي فعّال يقوم على الوضوح، وتقييم الأداء، وربط المكافأة بالنتيجة.

فالمساءلة ليست خصومة، غير أنها شراكة في تحمل المسؤولية.

قطعًا المؤسسات التي تنجح هي تلك التي تجرؤ على مواجهة عيوبها بصدق، وتفتح أبواب النقد، وتُعيد تعريف الكفاءة بعيدًا عن المجاملات.

 

فتقويم الإدارة يبدأ من الاعتراف بأن المشكلة ليست في الأشخاص، بيد أنها في الثقافة التي تُدار بها الأمور.

فإذا تغيّر الوعي المؤسسي، تغيّر كل شيء بعدها.

آخر القول:

إن التراخي الإداري مرآة صادقة لنظام بلا مساءلة. وحين تُكسر هذه المرآة، لا يختفي العيب، لكنه يتوارى خلف مساحيق من الخطط الشكلية والتقارير المزخرفة.

التطهير الحقيقي يبدأ عندما تُعاد الثقة إلى مفهوم المساءلة، ويُعاد تعريف الإدارة بوصفها خدمة ومسؤولية لا سلطة ونفوذًا.

فالمساءلة ليست أداة للتأديب، هي بالتأكيد فنّ من فنون البناء؛ بها تزدهر المؤسسات، ويُستعاد معنى العدالة في الإدارة.