اسماعيل درويش

١٥ أغسطس-٢٠٢٣

الكاتب : اسماعيل درويش
التاريخ: ١٥ أغسطس-٢٠٢٣       30030

الرياض التي سرقتني!

 

إسماعيل درويش – صحفي تركي

 

هو اتهام أوجهه للمدينة المعجزة، الشامخة وسط الصحراء الواسعة، المدينة التي سرقت مني روحا وقلبا وحبا لا زلت أفتقده، المدينة التي تدل على ذاتها بذاتها، تنطق فيها أبنيتها المبنية بالطين، المجاورة لناطحات السحاب، فمزجت التاريخ بالحاضر، وتسابق الزمن نحو المستقبل.

لست ممن عاش بالرياض عشرات السنين، ولست ممن زارها عشرات المرات، وإنما هي خمسة عشر يوما وستة عشر ليلة قضيتها في المدينة، فكانت كفيلة لتورطني في عشقها، حتى أمست أغاني "صوب الرياض الغالية"، و "ألا يا أهل الرياض" وغيرها هي من أفضل ما أستمتع بسماعه في سيارتي أثناء التجوال بمدينتي إسطنبول.

في هذه السطور أسرد تجربتي في زيارة الرياض، وما رأيت وشاهدت فيها.. ومنها، ومن أهلها.

بطبيعة الحال ترتبط صورة الرياض بشكل مباشر بمركز المملكة، أو برج المملكة كما كان اسمه السابق، لذلك كان لا بد من زيارته والتعرف عليه عن قرب.

يقع البرج وسط الرياض، وقد اكتمل بناؤه سنة 2002، وهو أحد أبرز المعالم الحضارية في المملكة العربية السعودية وأكثرها شهرة، تتعدد استعمالاته من مركز راقي للتسوق وصالة للاحتفالات إلى أدوار وأجنحة مكتبية وشقق سكنية فخمة، ويحوي فندق الفورسيزن وعدد كبير من المطاعم العالمية، ويتوسط البرج تقاطع أهم 3 طرق رئيسية في الرياض، ويمتاز بإطلالته الخلابة والتي يمكن مشاهدتها من أبعد نقطة في المدينة.

زائر الرياض والباحث في أسرارها لا بد له من جولة على منطقة الدرعية، وهذا ما فعلته، فزرت المنطقة التي تعد مفترقا تاريخيا للحجاج والتجار، وتعد مسقط رأس الدولة في القرن التاسع عشر، وهي موطن أحد أكثر التطورات التراثية طموحا في المملكة، فقد كانت جدرانها المبنية من الطوب اللبن تضم ذات يوم مدينة صحراوية مزدهرة، على ضفاف وادي حنيفة وكانت مركزا للثقافة والتجارة وملاذا لأولئك الذين يبحثون عن الراحة من حرارة الصحراء، وتضم اليوم العديد من المواقع التراثية الغنية المفتوحة للجمهور، أما متحف الدرعية فيوفر فرصة للمشي عبر أنقاض حي الطريف.

من متحف الدرعية توجهت إلى متحف المشوح، المتحف الذي أسسه السيد مشوح عبد الرحمن المشوح، في منزله الذي يقع بحي الأندلس، وهذا المتحف الشخصي عبارة عن مبنى مستقل من دور واحد وقاعة رئيسة وفناء للعرض، يعرض فيه المشوح قطعا تاريخية تعود له أو لأحد أفراد عائلته، وفيها الكثير من القطع مثل الأسلحة القديمة وأدوات الطهي ومواد البقالة القديمة وأدوات الترحال والسقيا والمكاييل وأجهزة سمعية وأدوات القهوة العربية ومجلس عربي متكامل ومطبوعات قديمة وقاعدة مدفع تاريخية، كانت زيارة رائعة فيها ما فيها من الجمال والوجه البشوش الذي استقبلنا وودعنا به السيد مشوح.

أما عن كرم أهل الرياض، فحدث ولا حرج، عند استقبال الضيف أولا لا بد من تقديم القهوة العربية أو القهوة السعودية، التي تمتاز بطعمها الفريد إلى جانب التمور بمختلف أصنافها، ثم يلي ذلك جملة من الأحاديث الشيقة والمتنوعة، وفي بعض الأحيان لا تخلو من الأشعار العربية الساحرة بمعانيها رغم صعوبة ألفاظها، يلي ذلك الطعام، الذي يعد من أساسيات استقبال الضيوف، وإذا زرت منزلا دون أكل طعامه فهذا ربما يعد عيبا في عرفهم، أما ما لفت انتباهي في جميع المدن السعودية التي زرتها، فكان هو اصطحاب صاحب المنزل للضيف إلى الخارج حتى يودعه، ولا يكتفي بتوديعه في المجلس.

يطول الحديث عن الرياض ولا ينتهي، وربما لم تسعفني الكلمات لأكتب كل ما يجول في خاطري من مشاعر تجاه الرياض الغالية، المدينة التي لا تنام.. ولا ينام محبها.