الكاتب : النهار
التاريخ: ١١ سبتمبر-٢٠٢٥       22880

بقلم : الدكتور خالد بن فهد الغنيم

عندما كنت صغيرًا، كانت "الله يرحمه ويغفر له" رسائل تتجاوز الكلمات، تحمل الكثير من المعاني والدروس الحياتية. من بين هذه النصائح، كان هناك قولٌ دائمًا ما يعيد صياغة تفكيري، وهو "اللي ما يخاف من الله خف منه". في البداية، كنت أعتقد أنها مجرد عبارة مُبسطة تحمل في طياتها معاني دينية، لكن بمرور الوقت، أصبحت أرى فيها عمقًا أكثر مما كنت أدركه.

أول ما استوقفني في هذه النصيحة هو أنها تتحدث عن الخوف، لكنها ليست من النوع الذي يتلاعب بالمشاعر السلبية. بل إنها تحمل دعوة لإعادة النظر في العواقب المحتملة لأفعالنا. استوعبت أن الخوف من الله يجب أن يكون دافعًا لفعل الخير واحترام القيم الإنسانية. بما أنني كنت شابًا في مرحلة المراهقة عندما تلقيت هذه النصيحة، شعرت أنها تحمل أهمية كبيرة عندما يتعلق الأمر باتخاذ القرارات، سواء في المدرسة أو في العلاقات الاجتماعية.

بعد سنوات من التفكير أدركت أن المعنى العميق وراء هذه الكلمات هو دعوة للصمود أمام التحديات وللاتجاه نحو النور في الأوقات المظلمة. في بعض الأحيان كنت أواجه ضغوطات من أقراني للقيام بأشياء قد تضرني أو تضر الآخرين. هنا، كانت تلك العبارة تتردد في ذهني، كلما شعرت بالحياد أو التردد. كانت تشجعني على اتخاذ القرارات التي تتماشى مع مبادئي، حتى في مواجهة الضغوط.

أثر هذه النصيحة امتد إلى حياتي بشكل أكبر عندما دخلت عالم العمل. جربت الكثير من المواقف التي كانت تتطلب مني التوازن بين المصالح الشخصية والمبادئ وثبات المعايير الأخلاقية. في بيئة العمل، يصبح المال والنجاح هو الدافع الرئيسي للكثيرين، ولكن العودة إلى تلك النصيحة كانت دليلي. كنت أدرك أن من لا يخاف من عواقب أفعاله أو من الله، يمكن أن يقترف الأخطاء التي تؤذيه على المدى البعيد. تعلمت أنه يجب عليّ أن أثق برؤيتي الأخلاقية وأن أسعى لتطبيقها على الرغم من كل التحديات والمغريات التي تواجهني.

في تلك اللحظات كنت أشعر بالدهشة من مدى قوة هذه العبارة البسيطة على توجيهي. واجهت مواقف صعبة استدعت مني التفكير في العواقب الأخلاقية قبل اتخاذ أي قرار. سواء كان ذلك يتعلق بمشروع على العمل أو علاقة مع زميل، كانت نصيحة والدي تأتيني كإشارة منارة تدلني على الطريق الصحيح. في بعض الأحيان كان من السهل التزود بالمجاملات والجرأة، لكن الخوف من الله كان يحثني على التفكير مرتين قبل التوجه في اتجاه غير صحيح.

أنا أعتبر نفسي محظوظًا جدًا لأنني نشأت في بيئة تُعزز هذا النوع من القيم. التحديات التي واجهتها والقرارات التي اتخذتها بسبب تلك النصيحة كانت محورًا لتشكيل شخصيتي وتوجهاتي. أدركت أن الخوف من الله ليس كما يُفهم تقليديًا، بل هو قوة تحركنا نحو الأفضل. إنه إلهام للتمسك بالقيم في أوقات الشدائد.

عندما أنظر إلى الوراء أرى أن نصيحة والدي لم تكن مجرد عبارة عابرة، بل كانت مبادئ وأخلاقيات شكلت مسار حياتي. التجارب التي خضتها بعد أن استوعبت معاني هذه الكلمات أعدت تشكيل افكاري وأحلامي. وبالرغم من أنني كنت أعتبرها نصيحة من الماضي، إلا أن لها مكانة خاصة في قلبي، حيث أجد نفسي دائمًا أعود إليها كلما واجهت صعوبات. لأني أدركت أن هذا الخوف الإيجابي يمكن أن يكون هو الدافع الأكبر للتغيير والنمو في حياتي.

كيف وصلت الى هذا الأدراك؟

 أرى هذه العبارة وما تحمله في طياتها من معاني عميقة قد تكون في البداية غير واضحة للكثير، لكنها تستدعي تفكيرًا عميقًا وتأملًا فلسفيًا حول طبيعة الخوف والسلطة والأخلاق. حين نحلل هذه العبارة، نجد أنها تعكس رؤية معينة عن العلاقة بين الإنسان والخالق، وكذلك العلاقة بين الأفراد والمجتمع.

يمكننا أن نستشف أن الخوف من الله يُعتبر عنصرًا أساسيًا في ما يُعرف بأخلاق الإيمان. إن الإيمان يخلق شعوراً بالمسؤولية، والشخص الذي لا يخاف من الله قد ينظر إلى الأخلاق كشيء قابل للتفسير الشخصي وهذا ما نشاهده غالباً في من يؤمن بفلسفة المعنى انها حق للجميع، أو كقيود غير موجودة لان كسرها لا يوقع استخدام القوة القهرية المتمثلة بعقاب مثل الكسر القاعدة القانونية. ولكن حين ننتقل إلى الجزء الثاني من العبارة "خف منه"، يصبح الأمر أكثر تعقيدًا. لماذا يجب أن يخاف منه من لا يخاف منه؟ هنا نجد تحديًا مدهشًا لأفكارنا حول ما يعنيه الخوف.

يمكننا أن نعتبر الخوف من الله ليس مجرد شعور، بل هو أيضًا حالة من الوعي الذاتي والاعتراف بالحدود الأخلاقية. الأشخاص الذين لا يخافون من الله هم أولئك الذين يتجاهلون القيم والمعايير الأخلاقية، مما يخلق حالة من الفوضى الاجتماعية. بالتالي عندما نقول "خف منه"، فإننا نستدعي فكرة أن الله يمثل قوة أخلاقية، وأن من يتجاهل هذه القوة يمكن أن يكون عنيفًا أو متهورًا.

يمكننا القول إن الخوف من الله ليس خوفًا تقليديًا، بل هو احترام للقوانين التي تسير العالم، احترام للقيم الأخلاقية التي تضمن التعايش السلمي والتواصل الإيجابي بين الناس. يمكن أن نرى أن هذا الخوف يتجلى في شعور الشخص بالذنب عندما يرتكب خطأ، أو شعور الخوف من النتائج السلبية لأفعاله.

ومثل أي نص فلسفي، يُمكن أن نجد تفسيرات متباينة لعلاقة العبد بالخالق. هل الخوف من الله دافع لفعل الخير، أم أنه عقوبة نفسية تُثقل كاهل الأفراد؟ يُشبه هذا الجدل النقاش القائم حول دور الخوف في الدافع إلى العمل الجيد. فهل نحن نتبع القيم بسبب الخوف من العقاب أم حُبًا للمثالية الخلقية؟

وكما يظهر من خلال مضامين هذه العبارة، فإن الشخص الذي لا يخاف من الله قد يكون في حالة من الاستهتار بالقيم الروحية، وهذا يمكن أن يؤدي إلى دفع المجتمع نحو دوامة من الانهيار الأخلاقي. هنا، يتمثل "الخوف" في كونه أساسًا لمجموعة من السلوكيات التي تضمن بقاء المجتمع. فنحن نعيش في عالم يتمحور حول تفاعل دائم بين الأفراد، والخوف من الله يمكن أن يُفهم كوسيلة لتعزيز التعاون والمسؤولية الجماعية.

ليس كل أنواع الخوف تُعتبر سلبية. هناك خَوف يُشجع على الابتكار ويحث على التحسين الذاتي. الخوف من الفشل، حتى لو كان يستند إلى عقيدة دينية، يمكن أن يكون دافعًا قويًا لتحقيق الأهداف. هنا، يأتي دور العبارة في تحفيز القيم الإنسانية وجعل الفرد يفكر في عواقب أفعاله ليس فقط على نفسه، بل أيضًا على من حوله.

يمكننا القول إن العبارة تحمل رسائل متعددة. في عالم معقد وغني بالتحديات الأخلاقية، قد يساعدنا التفكير في "من لا يخاف من الله" في فهم طبيعة الخوف كموضوع يثير نقاشات عميقة حول الهوية الشخصية، القيم الاجتماعية، وتفاعلنا اليومي كأفراد.

إن "اللي ما يخاف من الله خف منه" تعكس محاورات لا تنتهي حول الأخلاق والدين والمجتمع، وتطلب منّا التفكر في أبعاد الخوف كعاطفة إنسانية. إن فهم هذه العبارة قد يساعد الأفراد على التوصل إلى طريقة أكثر توازنًا للتفاعل مع قيمهم وقراراتهم في الحياة.