الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٦ أغسطس-٢٠٢٥       16060

بقلم : نوره محمد بابعير 

غالباً ما تبرز في الكتب القيمة الحقيقية للأفكار بقدر ما ينضج الوعي في صياغتها؛ إذ يقرأ القارئ تلك الصفحات بعينٍ منصفة بين الفكرة التي استهوت الكاتب، وبين الوعي الذي انعكس في طريقة وصفه لها. ومن بين تلك الكتب اللافتة يبرز كتاب "مُت فارغاً" للكاتب تود هنري  الذي يُعد من الأعمال العميقة والمفيدة في تفعيل وعينا للحياة.

تركيز الكاتب على الفكرة جعل لها جذورًا قيّمة يستطيع القارئ أن يتغذى منها حدّ الشبع. فالقراءة الحية تعيد للعقل حراك دوره في صناعة حياة طيبة ذات جودة عالية، متمكنة مما تسعى إليه. وقد ركّز الكاتب هنري على نقطة عميقة؛ إذا أدركها القارئ استطاع أن يحلّ كثيرًا من احتياجاته اليومية. فعبارة "مُت فارغًا" يطول شرحها حين تندمج القراءة الناقدة مع القراءة الرصينة؛ إذ على الإنسان أن يفرغ في الحياة كل ما بداخله، وأن يموت فارغًا لا يحمل معه شيئًا لم يقدمه وهو على قيد الحياة . 

إن دعوة الكاتب تود هنري  في "مُت فارغاً" لا تقتصر على التحفيز العاطفي فقط، بل تمتد لتصبح منهجًا عمليًا في استثمار الإمكانات. فالمقصود أن يخرج الإنسان أدواته الكامنة، أي أن يفعّل مواهبه، ويستثمر خبراته، ويحوّل أفكاره من مجرد نوايا داخلية إلى أفعال ملموسة تترك أثرًا. فالحياة لا تُقاس بطولها بل بمدى ما أُنجز فيها، وما تحقق من خلالها للذات ولمن حولها.

إن الوعي الحقيقي يبدأ حين يدرك الإنسان أن وجوده ليس مجرد حضور عابر، بل رسالة تتطلب أن يعيشها بكل طاقته، وألّا يرحل وفي داخله كلمات لم تُكتب، أو أعمال لم تُنجز، أو فرص لم تُغتنم. ومن هنا تصبح الجودة في الحياة ليست رفاهية، بل ضرورة، فهي التي تحدد قيمة وجودنا وتمنح لحياتنا معنى يتجاوز اللحظة الراهنة.

فالإنسان الذي يقرر أن “يموت فارغًا” هو إنسان يرفض أن يرحل وفي داخله أحلام مؤجلة أو قدرات حُبست خلف أسوار الخوف والتردد. إنه يختار أن يعيش بملء وعيه، فيعطي ويبدع ويترك أثرًا يظل حاضرًا بعد غيابه. وهنا تكمن عظمة الفكرة: أن ندرك أن الحياة ليست بما نأخذ منها، وإنما بما نضعه فيها