الكاتب : النهار
التاريخ: ١٩ أغسطس-٢٠٢٥       44715

بقلم: غازي العوني

لقد كانت هذه الأرض المباركة منذ القدم قبل بني إسرائيل أرضًا لأهل التوحيد من عباد الله المؤمنين ومازالت تشهد على ذلك. فلم يكن اليهود إلا جزءًا من تلك الأرض، فلقد عاش الجميع على أرضها في تعايش وتسامح، وليس من يعادي أهلها أو من يسعى إلى اضطهادهم منهم.

فلم يستطع أحد عبر التاريخ غير من يحملون الشرائع السماوية الصمود أو البقاء بها، ولن يبقى بها إلا من يؤمن بحقوق الجميع في تلك الأرض المباركة، فتلك الأرض شاهدًا على رحلة من الإيمان بين أتباع الأنبياء والرسل الذين يحملون رسالة واحدة تمتد من تاريخ نزول آدم عليه السلام ومن بعده أبناءه المؤمنين الذين يحملون رسالة عبادة الواحد الأحد الذي له الأمر من قبل وبعد.

فلقد كانوا أيضًا بني أسرأئيل ليسوا كلهم يهود، حين أختلفوا بين العقول والقلوب، بل كان منهم نصارى ومسلمين وغيرهم من شرائع قديمة ومذاهب متعددة من شريعة الذين أسلموا لله رب العالمين من بني آدم عليه السلام. فلقد كانوا هم حماة الأرض التي بقيت عبر التاريخ جامعة للجميع منهم، وستبقى كذلك رغم ظهور فكر متطرف لم يكن منهم بل من الذين يعادونهم جميعًا منذ القرن العشرين.

فإنها أرض لا تحكمها الحرب بل الأمن والسلام، ولن يسيطر عليها أحدًا إلا من يحمل حقيقة ذلك، فلا أحد ينتمي لها إلا من يمثل شريعة الرحمة والحكمة بين الناس أجمعين. فلقد حان للفكر المعادي للإنسانية أن يسقط بعد أن سعى إلى تدمير حقيقة الأرض التي ستبقى للجميع بين ضمائر تجتمع من أجل الحقيقة.

فإن كانوا هؤلاء يتحدثون بالدين فإن شرع الله كله حكمة ورحمة، وإن كانوا يتحدثون بالتاريخ فإن التاريخ لو تغير تبقى الحقيقة شاهد عبر محكمة الزمن تكتب حقيقة أرض ليست للصراع بل للحكمة والرحمة التي ستبقى للجميع منهم، رغم التطرف الذي لم يكن شريعة أحد منهم بل من فكرًا يعادي الجميع.

فإن كان من يحكمها من اليهود يمثل جميع اليهود – ولا اعتقد ذلك – ويريد هو دولة، فإن فلسطين ستبقى كما هي دولة للجميع على حدودًا من القرن الواحد والعشرين، تعيش كما عاشت منذ القديم، تحمل دستور من الحكمة والرحمة، وجيش ليس من التدمير بل من رقي الفكر الإنساني الذي يحمي جميع هؤلاء من البشر.

فاليهود سبط وليسوا كل الأسباط التي بقيت، فلقد افترقوا أيضًا بينهم، ولكن بقى من لديه شيء من شريعة الحكمة والرحمة يرفض كل هذا الجرم الذي يفعله فئة ليسوا كل اليهود بل من بعضهم الذين تمردوا على شريعتهم في الماضي والحاضر.

فقد تكون قسمة الأراضي لكن لن تكون القسمة على مسجد أو كنيسة أو معبد، إذا كان هناك قسمة تحقق إعادة ضمير إنسان، فإنها كلها في هيكل من أرض العبادة التي تجمع من يحمل دستورها الذي يكمن في "لك حق وعليك أيضًا حق".

فليست أرض للموت الضميري بل للحياة الإيمانية التي تعيد حياة ضمير مازال على قيد الحياة. فقد يكون القرن الواحد والعشرين بحاجة إلى حلول أخرى اتفق عليها أهل العصر المعاصر من أجل ترسيم حدود إنسانية من الحكمة والرحمة بين من هم من أهل تلك الأرض المباركة، التي كما كانت ستبقى أرض يسكنها كل ضمير لن يموت، وعابد سيموت لكن يبقى من يعبد الله وحده مؤمن سيبقى له الأثر الذي سيبقى له سكن ليس في الأرض بل في السماء التي نزل منها آدم عليه السلام، ورفع لها عيسى عليه السلام، وعرج إليها محمد عليه الصلاة والسلام.