بقلم - علي بن عيضة المالكي
يكاد العنوانٌ يحمل نكهة الغموض وعبق الحكايات المنسية، إلا أنه بمثابة دعوة لاكتشاف ما لا تراه العين في الوهلة الأولى. فبين الأزقة الضيقة، والحارات التي لا تكتب عنها الصحف، تتراكم القصص وتُخزّن الأسرار التي تشكل الوجه الحقيقي للمدن.
الشوارع الخلفية ليست مجرد طرق مهملة أو فرعية، إنما هي مسرح الحياة اليومية لعامة الناس والبسطاء فيها، موطن الفقراء والحالمين، وساحات لصراعات صامتة وانتصارات خفية. هناك، لا تلمع الأرصفة، لكن تلمع العيون بالأمل والكدّ والتحدي، هي وجه آخر للمدينة.
في كل شارع خلفي قصة، تُروى همسًا، طفل يركض حافي القدمين وراء حلم من ورق، هناك في أقصى الزاوية البعيدة من البناية يوجد رسام حوّل جدارًا متهالكًا إلى لوحة تصرخ بالألم تارة وتبحث عن الحياة تارة أخرى، إلى جواره بائع شاي لا يعرف غير الرصيف كاتمًا لأحزانه وأسراره، ناصية الشارع هي الأخرى تتكلم في صمت تجلس فيها عجوز طاعنة تحيك الذكريات إلى جانبها حفيدها من ابنتها هكذا نطقت بوجع والدموع تغلي داخل محاجر مقلتيها، فلا هي التي انسابت على خديها ولا هي التي عبرت عن حزنها الشديد لكن عينيها تحكي كل شيء إلا أنها كانت قانعة وتتصبر على حياتها راضية بما نالها من نصيب العيش.
تجولت في أكثر الأحياء دفئًا وتلاحمًا وتكاتفًا، تلك الأحياء التي لا تنسج فيها العلاقات على أساس الانتفاع إنما تُختبر فيها القيم وتظهر الشهامة! ورغم الفقر إلا أن الأرواح هناك تتكافل والضحكات تسمعها رغم الضيق، كنت حريصًا على الذهاب إلى تلك الأماكن لأنها هي من يعكس صور المجتمع بصدق بلا زيف أو تملّق، ومليئة بالدروس التي لا تدرس في المدارس.
في اعتقادي أنها أجمل عمل يمكن أن يقوم به الكاتب حتى يستطيع الكتابة بعمق ووضوح، أظن ظنًّا مشبعًا باليقين أنه كلما كان المفكر قريبًا من الناس! كان عمله أقرب إلى الإنسانية منه إلى المهنية فالكاتب يتعين عليه معرفة دوره ومسؤولياته لأنه نوع من الكائنات لا ينبغي أن يقتصر حراكه الثقافي على اختزال الحقيقة في الواجهات المتأنقة ليبرز حال الناس.
أعود للموضوع الأساسي الذي أشرت إليه في صدر النص عن تلك الحكايات المنسوجة في الشوارع والأحياء الخلفية للمدن، تلك الأماكن تنبت فيها الحكايات وهي مصدر الإلهام؛ لأنها ببساطة شديدة تمنح الكاتب والفنان نبضًا ومشهدًا وصوتًا لقصص تنبض بالحقائق أكثر من أي خيال فلا يعتقد البعض أنها مظلمة.
أبدًا ! الشوارع الخلفية ليست مظلمة كما توحي التسمية. غير أنها مضيئة بأضواء تشابه ضوء القمر من يطرق أبوابها باحترام، يخرج منها بأغنى الحكايات.
عذرًا صديقي القارئ، فأكثر الناس عند حديثه عن المدينة لا يتذكر إلا الأبراج والأسواق والمقاهي وبريق الأضواء والأنفاق والحدائق والجسور؛ لكنَّ هناك وجهًا آخر لا يُسلّط عليه الضوء كثيرًا، وجهًا يحمل الصدق والعمق والوجع والجمال الخام، وهو ما يمكن أن نُطلق عليه الشوارع الخلفية.
هي ليست مجرد ممرات جانبية أو أزقة فرعية؛ بيد أنها تمثل ذلك الجزء من المدينة الذي لا يُظهره الإعلام، ولا تراه في بطاقات السياحة. هي المساحات التي تعيش فيها طبقات المجتمع التي لم تصلها العدالة الكاملة في الفرص. هناك، حيث تعيش الطبقة الكادحة، وتنبض الحياة اليومية بمعناها الحقيقي.
إن ما يستند إليه الكثيرين عن الأحياء الشعبية من أنها مكانًا للعمالة ومقرًا للحرفيين والباعة الجائلين استنادٌ لا يمت للحقيقة (حتى إن حصل هذا الانطباع)، فإنها تبقى حاضنة للتاريخ الشعبي وتمارس فيها الحياة بعيدًا عن الرسمية، ويبرز فيها التكافل الاجتماعي والعطف والرحمة، تجردًا من الماديات والمقاومة اليومية.
هي أماكن تتحول بمرور الزمن إلى ذاكرة حية، وإن كانت منسية، فيها تعيش الأم على بساطتها المعتادة تقوم هي بنفسها على شؤون بيتها، في الصباح ترتب منزلها حتى يحين عودة أبنائها من المدرسة، لا تعتمد في ذلك على العاملة المنزلية وفي المساء تقوم بتعليم صغارها، أما الأب فيخرج منذ الصباح يفتش عن لقمة عيشه ولا يعود إلى مأواه إلا لما تغرب شمس ذلك اليوم.
تلك الأحياء المنزوية يوجد بها الشاب الذي يحلم أن يغير العالم بأفكاره، وفيها العجوز الهرِم الذي يروي قصص الجوع والصبر والحلم والأناة، يحكي حكايات العزيمة لجيل لم يعرفها، هذه الشخصيات لا نجدها ـ كما أسلفت ـ تتصدر الصفحات الأولى للصحف، لكنها تشكل العمود الفقري لأي مجتمع يحلم بالحياة الكريمة
إنها أماكن تتلاقى فيها المتناقضات: الهدوء الظاهري الذي يخفي صراعات داخلية عميقة، الضيق الذي يخلق فسحة أمل، الفقر الذي ينبت كرامة لا تُشترى.
وفيها تتجاور المساجد الصغيرة، والمنازل القديمة، ومحلات الحلاقة، والباعة الجائلون، والروائح المختلطة من الأطعمة الشعبية، والورود التي تزين الشبابيك.
آخر الكلام
في هذه الشوارع، تولد الدراما الإنسانية الصادقة التي يبحث عنها كل فنان، حيث الصراع، والنجاة، والحب، والتضحية، والإصرار.
من يمر بالشوارع الخلفية دون انتباه، قد يظنها مجرد تفاصيل مهمّشة. لكن من يتوقف ويتأمل، يدرك أنها الروح الصريحة للمدينة. إنها حقًّا أماكن تصنع الإنسان، وتكشف معادن البشر، وتذكّرنا دائمًا بأن الحياة ليست ما يُعرض في الواجهة المزخرفة ولأنها تحتضن الحقيقية فقد اهتم الأدب بها وأبرزها علماء الفن ، فقد كتب نجيب محفوظ عنها وصور يوسف شاهين حكايات الأحياء العشوائية بأدق تفاصيلها، ومادام أمرها مهمًّا لهذه الدرجة فإنه من الواجب العمل على النهوض بها والوقوف في وجه التحديات التي تواجهها لأنها غنية بالثقافة والإنسانية وإعطاءها المزيد من الاهتمام في الخدمات الأساسية ومنح قاطنيها فرص أوسع في التعليم والعمل وترغيبها في نظر الشرائح الأخرى بإعادة تأهيلها وتزويدها بالبنية التحتية دون طمس هويتها مع تمكين ساكنيها من التعبير عنها بفخر واستثمار قصصها في الفنون والسياحة، وتوجيه الكتّاب نحوها فكل شارع منها يحمل رواية تنتظر من يرويها.