الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٣ يناير-٢٠٢٦       11000

بقلم: عيسى المزمومي 

رغم الظروف السياسية والمتغيرات اليومية في المشهد العالمي، يدرك المتابع للأحداث في الشرق الأوسط أن دولة اليمن الشقيقة، بما تحمله من جراح مفتوحة، تضعنا أمام مفارقة قاسية: بين خطابٍ يرفع شعارات الاستقرار، وواقعٍ تتآكل فيه كرامة الإنسان خلف جدرانٍ معتمة، وبين مواقف تُحسب للتاريخ وأخرى تُثقل كاهله! 

لقد شكّلت الانتهاكات التي تعرض لها المعتقلون في السجون السرّية—ومنها سجن الريّان، الذي تحوّل من مطارٍ مدني إلى فضاءٍ مغلق خارج القانون—علامةً سوداء في سجل الحرب. شهادات الضحايا، ومن بينهم الناشط المدني علي حسن باقطيان، لا تُقرأ بوصفها رواياتٍ فردية، بل بوصفها مرآةً لواقعٍ يتكرر: تعذيب جسدي، إذلال نفسي، تعرية، وكسرٌ ممنهج لإرادة الإنسان. هناك، حيث يُفترض أن تكون السجون أطرًا قانونية للحجز والإصلاح، تحوّلت إلى أدوات للرعب، وغابت معها أبسط معايير العدالة والرقابة.

إن أخطر ما في هذه الممارسات ليس قسوتها فحسب، بل وقوعها في فراغٍ قانوني ورقابي، يُفلت فيه الجناة من المساءلة، ويُترك الضحايا وحدهم في مواجهة آثارٍ نفسية واجتماعية طويلة الأمد. وحين تُدار السجون خارج أي إطارٍ مؤسسي، تُفرغ العدالة من معناها، ويصبح التعذيب سياسةً صامتة لا تجد من يوقفها.

في هذا السياق المظلم، يبرز الموقف السعودي بوصفه علامة فارقة تستحق التأمل. فالدعوة التي وجّهتها المملكة العربية السعودية لدولة الإمارات للاستجابة لطلب الحكومة اليمنية الشرعية ومغادرة الأراضي اليمنية خلال مهلة زمنية محددة، لم تكن مجرّد خطوة سياسية عابرة، بل إعلان موقفٍ أخلاقي وسيادي يؤكد الانحياز للدولة اليمنية وشرعيتها، ورفض أي وجودٍ عسكري أو أمني خارج إطار القانون.

هذا الموقف يعكس فهمًا عميقًا لتعقيدات المشهد اليمني، وإدراكًا بأن دعم التشكيلات المسلحة خارج مؤسسات الدولة لا ينتج استقرارًا، بل يُراكم الانقسام ويُقوّض فرص السلام. لقد أكدت المملكة، عبر هذا النهج، أنها تقف مع وحدة اليمن لا مع مشاريع التفتيت، ومع إرادة الشعب لا مع فرض الأمر الواقع بالقوة. وهو موقفٌ يُعيد الاعتبار لمفهوم الدولة بوصفها الإطار الوحيد المشروع للسلاح والسلطة! 

من زاوية فلسفية، تتجلّى المفارقة بوضوح: لا يمكن للسلام أن يولد من رحم السجون السرّية، ولا يتحقق الاستقرار على إذلال الإنسان. إن العدالة ليست محاكماتٍ فحسب، بل منظومة قيم تبدأ بالاعتراف بالخطأ، وتمرّ بالمحاسبة، وتنتهي بجبر الضرر ودعم الضحايا. وحين تُغلق أبواب التحقيق وتُطمس الحقائق، تتحوّل الذاكرة إلى سجنٍ آخر، لا يقل قسوة عن الجدران الخرسانية.

إن ما تقوم به السعودية من دعمٍ لمؤسسات الدولة اليمنية يمثّل—في جوهره—رهانًا على المستقبل: مستقبلٍ تُستعاد فيه الدولة، وتُصان فيه الكرامة، وتُفتح فيه مسارات سياسية عادلة ومستدامة. فالاستقرار الحقيقي لا يتحقق بالقوة العارية، بل بشرعيةٍ تحمي الإنسان وتُخضع السلطة للمساءلة.

ختامًا، ليست قضية السجون السرّية شأنًا حقوقيًا منعزلًا، ولا الموقف السعودي مجرّد اصطفافٍ سياسي؛ كلاهما اختبارٌ للضمير الجمعي. فإما أن نختار طريق العدالة والكرامة، وإما أن نصمت أمام الظلم فنُطيل عمره. إن الإنسانية تبدأ حين نضع الإنسان في قلب السياسة، لا على هامشها، وحين ندرك أن كرامته هي المعيار الأخير لأي موقفٍ يُحسب للتاريخ وللإنسانية جمعاء!