الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٦ يوليو-٢٠٢٥       16885

بقلم- أحمد صالح حلبي 

قبل سنوات قلائل تتجاوز  في مجموعها الثلاثة عقود أو يزيد، كانت نسبة كبيرة من مبان مكة المكرمة تعتمد على الآجر المصنع محليا، وكانت جل المصانع ـ آنذاك ـ تقع على الطريق الدائري الثالث وتحديدا في المنطقة الواقعة بمنحدر الكعكية بالطريق المؤدي إلى الليث ـ ما يعرف حاليا بحلقة الخضار ـ، وكانت ألسنة الدخان تشاهد من بعيد فيعرف الجميع أن بهذه المنطقة مصانع الآجر الأحمر، تلك كانت المعلومات البسيطة التي ترسخت بأذهاننا عن هذا المنتج الذي كنا نراه يباع بالعدد، لكنا كنا نجهل طريقة اعداده وتجهيزه. 

وقبل أيام عادت بي الذاكرة لمنطقة صناعة الآجر، فتذكرت دراسة بحثية نشرت بموقع قبلة الدنيا أعدها الأستاذ/ عبدالله أحمد البطاطي أوضحت أن صناعة الآجر من الصناعات القديمة التي كانت مستخدمة في البناء في مكة المكرمة، وتعرف باللهجة العامية (آجور) ولها مسميات أخرى (طوب أحمر – طوب محروق – طوب مشوي – قرميد).

ورغم ظهور مواد بناء جديدة كـ الإسمنت – القوالب الخرسانية – البلوك الإسمنتي – البلوك الأحمر، إلا أن المكيين يفضلونها عن باقي المواد المستحدثة للأسباب التالي:

1 . يستخدم في المباني التي تكون على الجبال بكثرة حيث يسهل حمل الآجور إلي هذه المواقع لخفت وزنه.

2. رخص ثمن الآجور حيث يكون سعره مناسب  للطبقات الفقيرة والمتوسطة للبناء والطبقات الغنية للتزين والديكورات.

3. طبيعة المناخ في مكة عامة حار و جاف و ويتميز الآجور بأنه  يمتص الحرارة  في النهار ويحتفظ بالبرودة ليلا.

4.خفة وزن الآجور وصغر حجمه جعل استخدامه سهل  للمعلمين في تركيب الأشكال الهندسية وغيرها.

5. توفر الطين بكثرة في مكة وأطرافها.

 

وأوضح الباحث في دراسته استخدامات الآجور:

1.  في بناء حوائط الأسوار

2. في بناء حوائط المنازل الشعبية والمسلحة

3. في سد الفجوات أو الفتحات

4. في تزيين  المساجد والقصور القديمة (اقواس, قباب, منائر)

5. لتجميل المباني  في الشرفات وسترة أسطح المباني التقليدية.

طريقة صنع الآجور في مكة المكرمة (بالصور)، بعد أن يؤتى بالطينة المناسبة من باطن الأرض تترك حتى تجف ثم تنقل بعد ذلك إلي البلة وتغمر بالماء و تنقى من الشوائب بعد دك الطينة دكا جيدا يؤتى بنشارة الخشب وتوضع في الحوض وتخلط مع الطين بحيث تكون ثلاثة أرباع طين وربع من نشارة الخشب، و يصب على هذه الخلطة كمية من الماء، و يتم الخلط بشكل جيد حتى تصبح الطينة لزجة ومتماسكة، ثم يتناول العامل كمية منها، ويضعها في الطربيزة ويخلطها خلطا جيدا، ثم يضعها في القالب، ويدك القالب.

يحمل العامل القالب إلي مكان الفرش، ويسحب الغطاء الخشبي الموجود بأسفل القالب، حتى يخرج اللبن، ثم يعود مرة أخرى إلى مكانه، ويغسل القالب في الطربيزة، ويكرر عملية وضع الخلطة المخمرة في القالب، وهكذا في كل مرة حتى تنتهي الكمية المخلوطة في البلة، ثم يجفف اللبِن مدة خمسة أيام إلى سبعة أيام، تقوم بعد ذلك العمالة برص الآجور على شكل أكوام من المكعبات ، كل مكعب منها يتكون من اثنتي عشرة إلى خمس عشرة آجورة  تسمى عند أهل الصنعة (كراسي) وبعد أيام ينقل ويجمع في مكان واحد حتى يكتمل العدد المطلوب ثم ينقل إلي المصنع لحرقه.

بعد ذلك تجمع الأخشاب بجميع أنواعها  إلى أقرب نقطة للمصنع تمهيدا لإدخاله داخل الموقد، ثم  يملأ الموقد بالحطب من أشجار السدر، والأئل، وجذوع النخل، حيث تتميز هذه الأنواع ببقاء الفحم مشتعلا مدة أطول، فضلا عن أنها لا تتحول إلى رماد بسرعة ولكن للأسف لا يستخدمونها نظراً لارتفاع تكلفتها ويستبدلونها بالمرابيع وألواح الأبلكاش وأبواب قديمة وقمائم وتكون مخرجات الحرق ضعيفة مما ينتج قلة جودة الآجور و قلة احمراره.

بعد الحسم من العدد المطلوب يقوم العمال بنقله إلى الكمينة عبر العربات، وتستغرق عملية رصه فيها من خمسة إلى تسعة أيام وعلى حسب توفر العمال، كما تستوعب الكمينة من خمسة وثلاثين ألف إلى خمسة وأربعين ألف أو حسب مساحة الكمينة حيث يستوعب ما بين أربعين ألف إلى خمسين ألف آجور.

يقوم العمال بتغطية الفتحات بآجور مكسَّر يعرف عند أهل الصنعة باسم (بريم)، ويغطى بألواح من الأبلكاش ثم يكسى بطبقة من الطين تعرف باسم (دمسة) وتفيد الدمسة في عدم خروج ألسنة اللهب من جوانب الكمينة، فضلا عن احتفاظها بالحرارة.

ثم بعد ذلك يتم الإشعال من أسفل المكينة من المواقد لمدة يوم أو يوم ونصف وإغلاقه وإشعاله مرة أخرى من سطح المكينة.

بعد إخماد النيران في المكينة تترك لمدة يوم أو يوم وليلة أو على حسب برودة الجو ..

بعد تبريد المكينة  يتم هدم الحوائط الخارجية  وهدم كلي لفتحات المواقد (الأفران) ويستعد العمالة لإخراج الآجور وبهذا  تنتهي مراحل إعداد الآجور.

تبدأ العمالة  في إخراج قوالب الأجر، وتحميله في عربات النقل إلى الجهات التي اشترته مباشرة، ويلاحظ أن جودة إنتاج هذا المصنع  ضعيفة  لعدم وصول اللهب إلى كامل الكمينة بسبب نوعية المواد المستخدمة في الموقد وفي الحلقة الثانية تحدث الباحث البطاطي عن أماكن صناعة الآجر في مكة المكرمة وهي : 

1 . إضاءة النبط

تقع في منطقة الحرم داخل حدود الحرم في منطقة تسمى الهمدانية ويسكنها الرياشية من هذيل وأرضها مدرة طينية.

يحدها من الشرق وادي عرنة ومن الشمال جبل الخطم  المتصل بجبل الشعراء ومن الجنوب زززز ومن الغرب طريق المشاه.

تاريخيا : تشير المصادر التاريخية  أن مصانع الاجر بمكة المكرمة وذكرها الازرقي إضاءة النبط في عرفة في الحرم كان يعمل فيها الآجر، وإنما سميت إضاءة النبط لانه كان فيها نبط بعث بهم معاوية بن أبي سفيان يعملون الآجر لدوره بمكة المكرمة فسميت بهم. 

2.سفح النوبة  

 الموقع : يحده من الشرق وادي إبراهيم ومن الغرب ثبير الزنج  ومن الشمال مدخل دحلة الرشد ومن الجنوب دحلة الكواشكة وقد انتقلت من هذا الموضع عام 1370 هـ الي الخالدية رقم 2 او ما يسمى ذو الابرق.

3.  الكدوة

وهي الدحلة التي يسيل ماؤها على الرحبة التي كانت فيها بركة ماجل، ومحلها أي بركة ماجل الجسر الواصل بين أنفاق جبل خليفة من جهة غرابات وبين جبل ثبير الزنج من نفقة المؤدي إلى التنضباوي، وبصدر الكدوة هذه يوجد شعب يعرف عند اهالي المسفلة باسم خم ، وشعب آخر قريب منه باسم خميم، والمشهور أن سبب تسمية الكدوة بهذا المسمى انها كانت مرمى قمامات اهالي المسفلة، فهم يسمونها المزبلة كدوة، وفي هذا الموضع كانت مصانع الاجر بالكدوة منتشرة قبل أن تصل الزحف السكاني أو العمراني إليها.

وقد انتقلت من هذا الموضع عام 1370 هـ الي الخالدية رقم 2 او مايسمى ذو الابرق.

4.كدي

كدي بالتصغير، وهو ريع عند منقطع جبل المثيب من الجهة الشمالية الشرقية، وهو معروف منذ الجاهلية بهذا الاسم، كما يسمى ريع كدي وثنية كدي، وهو فاصل بين جبلي المثيب وجبل خليفة عند نهاية غرابات النواشع الجنوبية من جبل خليفة وقد انتقلت من هذا الموضع عام 1370 هـ الي الخالدية رقم 2 او مايسمى ذو الأبرق.

5. ذو الأبرق

يقع على الخط الدائري الثالث في حي الخالدي رقم 2 ومدخل الشوقية الشمالي وكان يسمى ذو الابرق وقد انتقلت هذه المصانع من هذا الموضع عام 1409 هجري الى منطقة البيبان على طريق اليمن القديم وبقرب من وادي عرنة.

6. النورية الموقع الأول

يقع شرق وشمال مستشفى با شراحيل وآثارها باقيا حتى الآن ويمتد شرق مستشفى باشرحيل حتى اسفل الجبل بمسافة أكثر من 500 م منتشر اكثر من 7 مصانع التي أثارها باقية حتى الآن غير المصانع التي اندثرت والتي تقدر بـ 8 مصانع وبعدد اجمالي 15 مصنعا كانت احد اهم موارد البناء في ذلك الحقبة من الزمن.

7. النورية الموقع الثاني  

تقع في فج النورية نفس موقع مصانع النورة والتي انتقلت من الموقع الاول ولكن لم تلبث الا سنوات قليلة ثم انتقلت إلى البيبان.

8.البيبان

يقع جنوب مكة المكرمة خارج الحرم على طريق اليمن القديم وجنوب وادي عرنة وقد استحدث عام 1406 هجري حيث تتناثر فيه عشرات المصانع ولايزال الصناع يمارسون أعمالهم في هذا الموضع حتى الوقت الحاضر 1436 هجري ولكن للأسف بدأت تتناقص أعداد المصانع لقلة الطلب عليها.

وبين ما دونه الأستاذ البطاطي تذكرت دراسة تاريخية حضارية أعدها الأستاذ الدكتور عدنان بن محمد الحارثي الشريف (أستاذ التاريخ والحضارة)، بجامعة أم القرى، بعنوان "الآجر بمكة المكرمة دراسة تاريخية حضارية"، فقررت العودة إليها لا لتقليب صفحاتها كقارئ سريع، بل للاستمتاع بها كمرحلة تاريخية مضت، ومتأملا لعمل شاق ومنتج جيد أظهر فنون العمارة بمكة المكرمة.

ومع كل سطر أقرأه وجدت أنني أمام كنز من المعلومات، فالكتاب يمثل دراسة تاريخية حضارية توضح الدور الذي لعبه الآجر في تشكيل العمارة المكية عبر العصور، وطريقة استخدامه كمادة أساسية في بناء المنازل، كما تتناول جوانب حضارية مهمة في تاريخ مكة المكرمة، وأساليب البناء بها وتطورها، وما استخدمه المكيون في صناعة الآجر والتشييد به، ومراحل صناعة الآجر، والتكوين المعماري لمصانع الآجر بمكة ووحداته، وأصحاب مصانع الطوب بمكة المكرمة، ومعلمي البناء، وأشهر النوارين في مكة و القابهم. 

وما أمله أن يعي شباب اليوم معاناة رجال الأمس وصبرهم ، وما قدموه من أعمال دونها التاريخ بصفحاته.