الكاتب : النهار
التاريخ: ١٥ يوليو-٢٠٢٥       15565

 بقلم: حمد حسن التميمي

منذ اللحظة التي وُلدت فيها الفلسفة في شوارع أثينا، لم تكن مجرد تأملات نظرية، بل محاولة جذرية لفهم الإنسان ككائن يحمل مشروعًا وجوديًا داخل المدينة، كان أفلاطون يبحث عن العدالة بوصفها اتزانًا روحيًا، بينما قدم أرسطو خريطة عقلية تحتضن المنطق، الأخلاق، السياسة، والطبيعة، ومن هنا نشأ مثلث المفاهيم الكبرى: الوجود، الحقيقة، الذات مثلث لم يكن ثابت الأضلاع، بل مرآةً تُعيد تعريف الإنسان عبر الأزمنة.

ومع تصاعد الحداثة وتداعياتها، بدأ هذا التوازن ينهار، الوجود، كما عبر عنه هيدغر، أصبح "مسألة منسية" في الفكر الحديث، إذ تراجع من كونه سؤالًا جوهريًا إلى كونه استدعاء رمزيًا غائبًا، الحقيقة بدورها تحولت من يقين خارجي إلى تجربة داخلية تُنتجها الذات بحسب تمثلاتها، أما الذات فقد خرجت من صورتها الديكارتية المغلقة لتصبح كيانًا سائلًا، يعيش بين ضغوط الشاشة ورغبة الانتماء وتشويش الصور الرمزية، وهكذا لم تعد الفلسفة قادرة على الاستمرار بذات الهيكل، وظهرت الحاجة إلى تصور جديد أكثر اتساقًا مع الواقع المتحول: مربع الفلسفة المعاصرة.

في هذا المربع المفهومي، تتلاقى أربع زوايا محورية تُحاصر الذات وتُعيد تشكيل معالمها، كأنها قوى متشابكة تُملي عليها كيف ترى نفسها في عالم يتغير بلا توقف.

الذات لم تعد مركزًا ثابتًا، بل غدت مشروعًا متقلبًا يتشكل بين ضغوط التمثيل الاجتماعي ومرآة الآخرين، حيث يبدأ الإنسان في التعرف على نفسه من الخارج أكثر من الداخل.

العولمة تتسلل إلى تفاصيل الفرد، تُملي عليه نمطًا موحدًا للنجاح والسلوك، وتدفعه نحو التماهي بدلًا من التفرد، حتى تُصبح الخصوصية عبئًا في مجتمع يسعى للتطابق.

الهوية انكمشت من كونها إجابة إلى سؤالٍ معقد، تتصدع بين الانتماء والانفتاح، وتغدو مرنة ومتناقضة بطريقة تُربك صاحبها وتتركه في حيرة دائمة.

أما الذكاء الاصطناعي، فقد تجاوز كونه أداة تفكير ليصبح شريكًا في صناعة الذات، يعيد تمثيلها ويقترح عليها كيف تشعر، تفكر، وتُعرف نفسها ليس كما تراها، بل كما يراها النظام الخوارزمي.

حين تشتبك هذه الزوايا الأربع، تتحول الذات من كيانٍ حر إلى نقطة عبور تمر عبرها قوى الرمزية والبرمجة والمعايير العالمية، تاركة الإنسان في صراع صامت بين ما أراده لنفسه، وما صُمم له أن يكون.

تشير أبحاث حديثة، مثل مشروع Harvard Human Flourishing Project التابع لـ جامعة هارفارد، إلى أن وضوح الذات والانتماء والشعور بالمعنى تُعد من أهم ركائز الازدهار النفسي لدى الإنسان، وإذا اختل أحد هذه العناصر، تبدأ الذات بالتصدع الصامت؛ لا تُعلن انهيارها، لكنها تتوارى تدريجيًا عن وعي صاحبها، وهنا لا تسعى الفلسفة إلى تقديم أجوبة جاهزة، بل تمنح الذات فرصة نادرة لإعادة بناء وجودها الداخلي، بصفتها كائنًا واعيًا قادرًا على أن يشعر ويتأمل، لا مجرد نظام إدراكي عقلي.

وفي استشراف المستقبل تبدو الذات أمام مفترق جديد أكثر تعقيدًا، قد لا تعود هي من تُقرر، بل من تُعاد هندستها عبر خوارزميات فائقة التحليل، ترصد السلوك وتُعيد صياغته وفق نمط معياري.

سنكتب اليوميات ليس لأنفسنا، بل لمنظومات تراقب مشاعرنا وتعدل اختياراتنا بما يناسب منطق الشبكة.

العولمة ستتجاوز الجغرافيا لتصل إلى الذهن ذاته، فتخلق نموذجًا كوكبيًا للهُوية مسطح وجذاب، لكنه خالٍ من التفاصيل.

أما الذكاء الاصطناعي، فسيُصبح شريكًا فعليًا في التفكير، يقترح علينا من نحب، كيف نشعر، وحتى متى نقرر.

قد تأتي لحظة تتحول فيها الهوية إلى مشروع تجريبي، والحقيقة إلى كود قابل للتعديل، والوعي إلى تصميم وظيفي يخضع لضرورات السوق والمعايير.

حينها، سيُطرح السؤال المُربك: ⁠هل نحن ما زلنا نمتلك أنفسنا… أم أننا نُعاد هندستنا بصمت ودهاء؟

وفي ختام هذا المسار، لم تعد الذات مركزًا كما عهدناها، ولا الحقيقة مرآة صافية، كل شيء بات متغيرًا، حتى المعنى نفسه لم يعد حصينًا، لكن تبقى الفلسفة ضرورة إنسانية، لا تمنحنا إجابات نهائية، بل تُشعل السؤال الذي يُربك الصمت: هل تستطيع الذات المعاصرة، وسط ضجيج العولمة والذكاء وتفتت الهوية، أن تعود لنقطة البدء؟ أم أن كل تمثيل جديد لها… يُبعدها أكثر عمّن كانت في الأصل؟ وربما السؤال الذي يجب أن يُسأل ليس: "من أنا "بل، هل ما زلتُ أعرف نفسي؟