الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٨ يوليو-٢٠٢٥       15730

كتبه/ علي بن عيضة المالكي

في حياة كل إنسان لحظات يشعر فيها أنه وصل إلى طريق مسدود، أو علق في ركن ميت لا يرى منه أفقًا ولا يسمع فيه صدى لصوته. قد تكون هذه الأركان لحظات فشل، أو خسارة، أو حتى شعور بالتيه والضياع. لكن ما يميز الإنسان حقًا هو قدرته على العودة، على استجماع نفسه والوقوف من جديد، حتى من أضيق الزوايا وأكثرها ظلمة.

لكن الحواف الميتة ليست حقيقية بمعناها المطلق، بل هي حالات مؤقتة، ذهنية أو شعورية، تتطلب وعيًا وإرادة للخروج منها.

اعلم ـ رحمك الله ـ أن الأطراف الميتة هي الحالة التي يجد فيها الإنسان نفسه محاصرًا بمشاعر العجز، أو الفشل، أو الانغلاق الكامل عن العالم من حوله. قد تكون هذه الزاوية تجربة شخصية كخسارة مشروع، أو انفصال عاطفي، أو حتى اكتئاب داخلي لا يعرف سببه. البعض يصفها بأنها "اللحظة التي تشعر فيها أنه انتهى".

أمثلة من الواقع

توماس إديسون فُصل من المدرسة بسبب "بطء الفهم"، لكنه عاد ليخترع المصباح.

نيلسون مانديلا قضى سبعةً وعشرين عامًا في السجن، ثم عاد ليقود بلاده إلى الحرية.

أوبرا وينفري تعرضت للفقر وسوء المعاملة، لكنها أصبحت من أبرز شخصيات الإعلام في العالم.

كل هؤلاء مرّوا بزوايا ميتة… وعادوا منها أقوى.

الزاوية الميتة ليست نهاية هي رحلة من الانكسار إلى الانبعاث

الزاوية الميتة لا تعني النهاية، بل قد تكون نقطة الانعطاف. فيها تتكسر الأوهام وتنكشف الحقائق. في عمقها، يواجه الإنسان نفسه مجردة من التبريرات والتوقعات، ويكتشف نقاط ضعفه وقوته، ويبدأ في إعادة تقييم طريقه. ليست تلك لحظة ضعف بقدر ما هي فرصة لإعادة البناء.

أنواع الزوايا الميتة

1. زاوية نفسية: شعور داخلي بالخواء، أو قلة الحيلة، أو تكرار الإحباطات.

2. زاوية اجتماعية: العزلة، انقطاع العلاقات، أو انعدام الدعم.

3. زاوية مهنية: الفشل في تحقيق هدف وظيفي، أو الإحساس بعدم التقدير في العمل.

4. زاوية فكرية: فقدان المعنى أو الشغف أو عدم الإيمان بما نقوم به.

ما الذي يدفع الإنسان إلى الزاوية الميتة؟

لها عدة مسوغات تساعدها في الظهور والتشكل أهمها وأعلاها شأنًا وآكدها فعلاً:

تراكم الضغوط دون تنفيس صحي أو دعم، والفشل المتكرر دون وجود استراحة أو مراجعة للذات.، ثم تأتي العزلة الاجتماعية التي تزيد من الشعور بالهزيمة؛ تجيء بعدها التوقعات عالية السلبية من الذات أو من الآخرين، الصدمات النفسية مثل وفاة عزيز أو خيانة مفاجئة أو التعرض للغدر.

من أين نبدأ العودة؟ وكيف تكون ممكنة؟

العودة تبدأ بالاعتراف. الاعتراف بأنك لست بخير، وأنك تحتاج للتغيير. ثم تأتي الخطوة التالية: الرغبة في التحرك. ليس مطلوبًا أن تقفز، يكفي أن تزحف في البداية، أن تتنفس من جديد، أن تبحث عن شعاع بسيط يدل على وجود نور في آخر النفق.

الخطوة الثالثة للعودة هي الاعتراف بأنك وصلت إلى زاوية ميتة. لا إنكار، لا تمثيل، فقط مصارحة مع النفس: "أنا في مكان مظلم وأحتاج إلى الخروج"

الخطوة الرابعة قبل القرار: اكتب، تأمل، تحدث إلى نفسك بصوت مسموع. اسأل:

ما الذي أوصلني هنا؟

ما الذي أحتاجه لأبدأ من جديد؟

هل هذه نهاية أم بداية جديدة؟

ثم يأتي القرار: قرار أن لا تبقى هناك، في تلك الزاوية المظلمة. قرار أن تصنع لنفسك مخرجًا، حتى لو لم يكن مرئيًا بعد؛ فالمخارج تُكتشف حين نبدأ في الحراك، وحين نرفض أن نبقى محبوسين بين الجدران التي صنعها الخوف أو الفشل أو الظروف.

 

 

 

من الظل يولد الضوء

في الزوايا الميتة يُولد الإبداع أحيانًا، وتُشعل الشرارة الأولى لبداية جديدة. فكم من قصة عظيمة بدأت من لحظة انكسار! وكم من نجاح مدوٍ كان ثمرة لفشل ذريع! المهم ألا نستسلم. أن نحمل الألم معنا كدرس لا كعائق، وأن نحوله إلى دافع لا إلى قيد.

آخر الكلام : أنت لست وحيدًا

العودة من الزاوية الميتة ليست طريقًا سهلاً، لكنها ممكنة. وقد سبقتك إليها نفوس كثيرة. لا تخف من التوقف المؤقت، ولا تخجل من الضعف، فكل من نهض يومًا كان قد سقط قبله. المهم ألا تختار البقاء هناك.

قد تظن أن الزاوية الميتة هي آخر ما تبقى لك، لكنها في الحقيقة بداية جديدة لم تكن تتخيلها. عد منها. ببطء، بلا ضجيج، ولكن بثقة. فأنت لست مكسورً ... أنت في طور التشكل من جديد.

من خرج من الزاوية الميتة، لن يعود أبدًا كما كان… بل أقوى، أعمق، وأصدق.