الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٧ يونيو-٢٠٢٥       14685

بقلم- شموخ نهار الحربي 

هل من الممكن أن تتحوّل المدن إلى جزءٍ من ذاكرتنا؟

هل تصبح الشوارع والأحياء والأماكن مجرد صفحاتٍ في دفاتر الحنين؟

نعم… المدن ليست فقط مساحات نعيش فيها، بل تصبح أحيانًا أعظم مما نظن؛ تصبح شواهد على من كنّا، ومرايا لحكايات لا ينساها القلب.

وهكذا كانت الشرقية بالنسبة لي.

عشت في المنطقة الشرقية أربع عشرة سنةً كاملة. سنواتٌ لا تُختصر في عدد، بل تُروى كقصّة، في كل شارعٍ منها مرّيت، وفي كل ركنٍ لي ضحكة، دمعة، أو موقف علّمني شيئًا من الحياة. كانت تلك السنوات أجمل وأقسى ما عشته، كأنها مختصرٌ لعمرٍ كامل.

كبرت هناك، بدأت أعي العالم وأنا أمشي على أرصفتها، وتكوّنت شخصيتي بين بحرها وبيوتها، الشرقية لم تكن لي مجرّد مكانٍ أعيش فيه، بل كانت حضنًا دافئًا لذكريات الطفولة، وبداية الوعي، ونقطة التحوّل التي تركت أثرها في قلبي إلى الأبد.

ومن أجمل ما منحَتْني إيّاه الشرقية، أنني تعرّفت فيها على جيرانٍ صاروا لنا أهلًا لا جيرانًا فقط، في لحظات الضعف، كانوا السند الذي لم نتوقّع أن نجده خارج حدود العائلة، وقفوا معنا بحب، شاركونا دموعنا قبل أفراحنا، وكأن القدر أراد أن يعوّضنا ببشرٍ يشبهون الرحمة، في الوقت الذي كنا فيه بحاجة ماسّة لقلوب حقيقية.

عشت أفراحي هناك، احتفلت بإنجازاتي الأولى، شكّلت صداقات ما زالت حاضرة في القلب، حتى لو غابت الأجساد، لكنّي أيضًا عشت حزني الأكبر هناك… رحل أبي، وغاب وجهه الذي كنت أستند عليه في كل خطواتي، ودُفن جسده في ترابها، لتتحوّل الشرقية من مدينةٍ أحببتها، إلى مدينةٍ تسكن قلبي بكل تفاصيلها، لأنها احتوت أغلى ما فقدت.

منذ ذلك اليوم، وأنا أؤمن أن المدن ليست أبنية وشوارع فقط، بل هي ذاكرةٌ تمشي بيننا، نترك فيها ضحكاتنا، حواراتنا، صمتنا، وحتى وداعاتنا الأخيرة، المدن تحفظنا، وتخلّدنا في طريقتها الخاصة، وقد تكون المدينة فارغة منّا، لكنّها مملوءة من ذكرياتنا، وهذا ما يجعلها خالدة في القلب.

الشرقية لم تعد مكانًا فقط، بل أصبحت زمنًا عشته، لا يُعاد، لكنه لا يُنسى، أربعة عشر عامًا كانت كافية لأن أودع فيها جزءًا مني، وكلما ابتعدت عنها، اقتربت من ذاكرتي أكثر.

وهكذا هي المدن في حياة البشر… قد نغادرها، لكنها تظلّ موطنًا لحكاياتٍ لا تُروى إلا عند اشتداد الحنين، وتظل شاهدة على من كنّا، قبل أن نصبح ما نحن عليه الآن.