بقلم: سهام ورقنجي
في زمن تتسارع فيه المتغيرات وتُعاد فيه صياغة المفاهيم داخل البيوت يطفو على السطح سؤال مؤلم: "لماذا يتمرد بعض الأبناء على والديهم؟ وكيف يصل الأمر في أحيان كثيرة إلى العقوق الصريح أو الجفاء العاطفي؟ وهل يكمن الخلل في الأبناء وحدهم أم أن للأهل نصيبًا من المسؤولية؟".
مشهد يتكرر في عدد من الأسر: "ابن أو ابنة ترفع الصوت ترفض التوجيه وربما تغلق باب غرفتها على نصيحة أم أو عتاب أب".
ومع الوقت يتحول الخلاف إلى صمت ثم قطيعة وجدانية، ما بين أمر صارم من الوالد وتمرد عنيد من الابن تضيع لغة التفاهم، ويكبر الجدار العاطفي.
هل الشدة هي السبب؟
يرى مختصون أن الأساليب التربوية التي تعتمد على الأوامر دون حوار أو العقاب دون تفسير، تسهم في إنتاج شخصية متمردة أو منطوية.
فالتربية القائمة على “نفذ ولا تناقش” قد تنجح ظاهريًا لفترة لكنها تُنتج في العمق رفضًا يتضخم مع الوقت.
في المقابل حين يُقصى الحوار وتُهمل العواطف، يصبح الأبناء أكثر استعدادًا للبحث عن “سلطة بديلة” خارج البيت: صديق أو شاشة أو حتى منصة رقمية.
لكن الصورة ليست من طرف واحد، فجيل الأبناء اليوم الذي نشأ في عالم سريع ومتغير أصبح أكثر ميلًا إلى الاستقلالية وأقل تقبّلًا للسلطة الأبوية خاصة حين تكون غير مقنعة أو منقطعة عن الواقع.
ويُلاحظ أن بعض الأبناء لا يرفضون التوجيه لذاته بل يرفضون الأسلوب الذي يُقدَّم به: حين يُطلب منهم أن يبرّوا ولا يُرى من الوالدين برٌّ مماثل في المعاملة؛ أو حين يُؤمرون بالصلاة في جوّ يغيب فيه القدوة.
فجوة الأجيال: لغة مفقودة
الخلل في كثير من الحالات ليس في النوايا بل في الترجمة.
الوالدان يريدان الخير والأبناء يبحثون عن الفهم والاحترام.
لكن بين “افعل” و”لماذا؟” تضيع اللغة.
لم تعد لغة التهديد أو التوبيخ تؤتي أُكلها كما في السابق.
جيل اليوم يحتاج إلى من يشرح لا من يأمر فقط؛ وإلى من يستمع لا من يوبّخ فورًا.
الأساليب التربوية البديلة: من الصراع إلى التفاهم
لحل هذه الأزمة لا يكفي التذكير بالعقوق كذنب عظيم بل يجب بناء جسور عاطفية وتربوية بين الآباء والأبناء، وهنا بعض الأساليب الناجعة:
1.الحوار الصادق: فتح المجال للنقاش مع الأبناء دون سخرية أو تقليل من آرائهم، حتى في القضايا الدينية.
2.القدوة السلوكية: ما يراه الأبناء يُرسخ أكثر مما يسمعونه. كن كما تريد أن يكونوا.
3.الاحتواء عند الخطأ: بدلًا من الغضب، يمكن تحويل الخطأ إلى فرصة للتعليم والفهم.
4.المدح قبل النقد: تعزيز الجوانب الإيجابية يقوّي الرابط العاطفي ويجعل النصيحة أكثر قبولًا.
5.تفهّم المرحلة العمرية: ما يمرّ به المراهق ليس تمرّدًا دائمًا بل جزء من تشكُّل الهوية.
6.الاعتراف بالخطأ إن وُجد: حين يخطئ الوالد ويعتذر يكبر في عين ابنه لا العكس.
نحو تربية تُنتج برًّا نابعًا من الحب
البرّ لا يُفرض بل يُبنى، وإذا أردنا جيلًا يبرّ بوالديه عن حبّ لا عن خوف، ويُقدّر الدين عن قناعة لا عن تلقين فلابد أن نعيد النظر في طرقنا التربوية وننقلها من السلطة إلى العلاقة ومن التلقين إلى الحوار.
في النهاية لا توجد تربية بلا أخطاء، لكن كل تربية تحتاج إلى مراجعة.
وليس السؤال: من المخطئ؟ بل: كيف نعود إلى بعضنا دون كِبر ونُعيد لبيوتنا الدفء الذي يجعل البرّ اختيارًا لا واجبًا فقط.