الكاتب : النهار
التاريخ: ١٦ يونيو-٢٠٢٥       17985

بقلم- أحمد صالح حلبي 

بدأ الحج إلى بيت الله الحرام بالأمر الإلهي للخليل إبراهم عليه السلام {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29) ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ ۗ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ۖ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ( 30 )}، فأخذت قوافل الحجيج تتوافد صوب مكة المكرمة ملبية نداء الحق تبارك وتعالي، عاما تلو آخر. 

وحرصت قريش أثناء حكمها لمكة المكرمة على إكرام الحجيج، فظهرت المناصب في قبيلة قريش خمسة عشر منصبًا، قسمتها قريش بين بطونها المختلفة لتحفظ التوازن بينها، وتمنع تنافرها أو تنازعها؛ ولتحفظ لقريش وحدتها وتماسكها، ولتوفر لمكة الهدوء والسلام اللازمين؛ لتشجيع الحجاج والتجار على الرحيل في كل عام إلى مكة، وكانت أشرف هذه المناصب السدانة والسقاية والرفادة.

أما السدانة، أو الحجابة فصاحبها يحجب الكعبة، وبيده مفتاحها، يفتح بابها للناس ويغلقه ومنصب السدانة أبرز المناصب على الإطلاق، والمنصب الثاني هو الساقية، ويتولى مناصبها توفير المياه للحجاج، ولم تكن هذه المهمة يسيرة لقلة المياه في مكة؛ فكان من يتولى المنصب ينشئ حياضًا من الجلد يضعها في فناء الكعبة، وينقل إليها المياه العذبة من الآبار على الإبل في المزاود والقرب، وكانت السقاية في بني هاشم بن عبد مناف، أما المنصب الثالث فهو الرفادة فكانت قريش تجمع من وجوهها بعض الأموال في موسم الحج؛ ليقوم صاحب المنصب بإعداد الطعام لفقراء الحجاج باعتبارهم ضيوف الكعبة، وكان أول من قام بالرفادة قصي بن كلاب، وأصبحت في بني نوفل، ثم في بني هاشم، وإن بقيت السدانة في آل الشيبي حتى اليوم، فإن السقاية والرفادة لم يكونا بعيدين عن الحجاج ، فقد حرص أبناء مكة المكرمة على إطعام الحجاج وسقايتهم، وعرف المكيون بكرمهم وحرصهم على خدمة الحجاج ، دون النظر للعائد المالي. 

وصور يوم التاسع من ذي الحجة ، المعروف بيوم الخليف في مكة المكرمة، عادة المكيات في هذا اليوم الذي يعتبرنه يوما غير عادي، إذ كن يتجهن مع أطفالهن إلى المسجد الحرام، صائمات يتطوفن حول الكعبة المشرفة، ويؤدين صلاتي المغرب والعشاء به، ثم يعدن إلى منازلهن وهن متنكرات بأزياء الرجال حاملات الفوانيس والمشاعل ويرددن أهزوجتهن المعروفة "قيسنا يا قيس، قيسنا يا قيس، الناس حجوا، وانت قاعد ليش، يا قيس يا قيس، قوم أذبح التيس"، فيما يذهب الرجال إلى عرفات لخدمة الحجاج إذ كان من العيب أن يبقى الرجل بمكة المكرمة يوم الوقفة الكبرى بعرفات. 

وإن حرص المكيون في السابق على خدمة الحجيج ، فإن خدماتهم لقاصدي البيت الحرام من حجاج ومعتمرين لازالت مستمرة، دون النظر للعائد المالي الذي يجنونه ، وهذا ما نراه كل موسم حج في إعداد الشباب والفتيات الذين يتسابقون للعمل في خدمة ضيوف الرحمن سواء كان ذلك بمقابل مالي في شركات مقدمي خدمات حجاج الخارج، أو منشآت  خدمة حجاج الداخل، أو القطاع الثالث، المعروف بالقطاع غير الربحي، الذي يضم مجموعة من المؤسسات والهيئات التي تعمل على تقديم خدمات إنسانية وثقافية واجتماعية وصحية. 

إن خدمات المكيين لحجاج بيت الله الحرام لا تنحصر في توفير أماكن الإقامة، ووسائل النقل، والتغذية، لجني أرباح مالية، فهناك خدمات إسعافية يقوم بها متطوعون ومتطوعات من هيئة الهلال الأحمر السعودي يتوافدون من جامعات وهيئات من كافة مناطق المملكة، إضافة لخدمات الارشاد التي يقدمها شباب وفتيات الكشافة لإرشاد الحجاج لمخيماتهم في المشاعر المقدسة ؟ 

وفي الختام أقول: إن تدشين خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ـ ، يحفظه الله ـ يوم الأربعاء 24 من شهر رمضان المبارك لعام 1440هـ ، لبرنامج خدمة ضيوف الرحمن كأحد برامج تحقيق رؤية السعودية 2030م، يؤكد دور المملكة العربية السعودية قيادةً وشعبًا في خدمة ضيوف الرحمن، وإتاحة الفرصة لأكبر عدد منهم لأداء مناسك العمرة، وخوض هذه التجربة الروحانية الفريدة، وإثراء وتعميق تجربتهم، من خلال رفع مستوى جودة الخدمات المقدمة، وتهيئة الحرمين الشريفين، وتحقيق رسالة الإسلام العالمية، وتطوير المواقع التاريخية الإسلامية والثقافية، وإتاحة أفضل الخدمات لهم قبل وأثناء وبعد زيارتهم لمكة المكرمة والمدينة المنورة والمشاعر المقدسة، وعكس الصورة المشرِّفة والحضارية للمملكة في خدمة الحرمين الشريفين وضيوف الرحمن.