الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٩ يونيو-٢٠٢٥       15785

بقلم| الدكتور/  أحمد حساني  باحث في الشؤون الإقليمية والدولية

موسم حج 1446 هـ لم يكن مجرد أداء شعيرة دينية، بل تجربة حضارية شاملة، استفاد منها أكثر من مليون ونصف المليون حاج، واكتملت تفاصيلها بين أروقة الابتكار، ودهاليز التقنية، ومنصات الذكاء الاصطناعي.

موسم  الحج  هذا العام حقق نجاحا استثنائيا بشهادات رسمية عالمية، حيث أعلن تفوقه أمنيا ورسميا وصحيا وخدميا وتقنيا، فقد شهد هذا العام تنفيذ المملكة عدة خطط ومبادرات لأول مرة في تاريخها.

وفي ظل هذا النجاح الهائل والمبهر علي كافة  المستويات والقطاعات والقدرات، ندرك أن العالم بأسره كان شاهدا على نموذج الإدارة  السعودية  المتقدمة، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان – حفظهما الله – اللذين أدارا هذا الموسم الاستثنائي برؤية استراتيجية وتخطيط دقيق، لم تكن النجاحات التي أبهر بها موسم  الحج  وليدة المصادفة، بل كانت ثمرة عمل مؤسسي متقن، خطط له بعناية وانعكس أثره مباشرة على راحة الحاج وكفاءة الدولة.

قدّمت المملكة، قيادةً وشعبًا، نموذجًا مميزًا في إدارة الحشود، مستندا ليس فقط على الخبرات المتراكمة، بل أيضا على رؤية مستقبلية متجددة تُمكّن من تحويل كل موسم حج إلى فرصة لتحسين جودة الخدمات، وتعزيز كرامة ضيوف الرحمن، وتطوير التحديات إلى فرص بَنّاءة، وتحويل شعائر  الحج  إلى معيار عالمي في مجال الضيافة والتنظيم.

أظهرت التغطيات المتواصلة لموسم  الحج  هذا العام أن  السعودية  كانت على جاهزية عالية لموسم استثنائي بكل المقاييس، ورغم أن البُعد الديني وخدمة ضيوف الرحمن هو الأساس، فإن الموسم تحوّل أيضا إلى منصة لتطوير الخدمات وابتكار الحلول، كتوظيف الطائرات المسيّرة (الدرون) لإيصال الأدوية وتسريع المهام اللوجستية، هذا الأداء المتميز لا يبرهن فقط على قدرة المملكة على تنظيم موسم الحج، بل يعكس جاهزيتها لاستضافة أحداث دولية أكبر، فالسعودية اليوم، لم تعد فقط وجهة للحج، بل منصة حضارية تتيح للعالم أن يلتقي، ويتواصل، ويندهش.

موسم حج 1446هـ شهد استخدام تقنيات حديثة لتسهيل المناسك وضمان سلامة الحجاج، ومن أبرزها:
-بطاقة  الحج  الذكية: تعمل بتقنية NFC ورمز QR، تحتوي على معلومات الحاج (الهوية، الحالة الصحية)، وتُقرأ عبر أجهزة الخدمة الذاتية في المشاعر المقدسة، مما يسهل إدارة الحشود وتقليل التزوير.
-سوار نسك الذكي: تم توزيعه تجريبيًا على 5 آلاف حاج، يوفر معلومات الحاج الصحية (مثل حالة التحصين) ويسهم في تتبع الحركة وتنظيم الخدمات.
-تطبيق مناسكنا: يدعم 7 لغات، يوفر خرائط ذكية لمكة والمدينة والمشاعر، ومعلومات عن المواقع المهمة، مما يسهل على الحجاج التنقل وأداء المناسك.
-دليل المناسك الذكي: مبادرة من وزارة الشؤون الإسلامية، تستخدم الواقع الافتراضي ثلاثي الأبعاد لتدريب الحجاج على المناسك خطوة بخطوة، مع محاكاة الحشود لتقليل الأخطاء وتعريف غير المسلمين بالحج.
-تقنيات الذكاء الاصطناعي: استُخدمت لإدارة الحشود المليونية بكفاءة، عبر حساسات أرضية، قارئات دخول ذكية، وكاميرات عالية الدقة لرصد الحركة ومنع التدافع، مع دعم حملة “لا حج بلا تصريح” لتقليل الحجاج غير النظاميين.
-روبوتات الإرشاد والفتوى: تقدم الإرشاد والفتاوى بلغات متعددة، مما يسهل التواصل مع الحجاج من مختلف الجنسيات.
-تقنيات الأقمار الاصطناعية: استخدمها المركز الوطني للرقابة على الالتزام البيئي بدقة 30 سم لمراقبة البيئة في المشاعر المقدسة، مما عزز الاستجابة السريعة للمخاطر البيئية.
-الأسفلت المطاطي: استُخدم في ممرات المشاعر لتخفيف المشقة على الحجاج، حيث يمتص الصدمات ويوفر راحة أكبر مقارنة بالأسفلت التقليدي.
-تطبيق توكلنا: قدم خدمة استعراض البطاقات والتصاريح رقميًا، مما قلل من محاولات التزوير وحسّن الأمان.
هذه التقنيات عكست التزام المملكة بتطوير تجربة  الحج  وفق رؤية 2030، مع ضمان السلامة والجودة.

فالمملكة أثبتت أن موسم  الحج  ليس مجرد شعيرة متكررة، بل فرصة سنوية لصناعة تجربة إنسانية وتنظيمية استثنائية تُقدم فيها أرقى الخدمات، وترتقي فيها بالمعايير عامًا بعد عام.

فالعالم اليوم يقف احتراما وإجلالا لما قدّمته المملكة من صورة مشرّفة عن الإسلام وخدمة ضيوف الرحمن، وأصبح هذا الموسم منبرا للدبلوماسية الناعمة، يعبّر عن المكانة التي بلغتها  السعودية  في مجالات التنظيم، والتقنية، والخدمة الإنسانية.