الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٥ يونيو-٢٠٢٥       14190

بقلم - روان صالح الوذيناني

في التاسع من شهر ذي الحجة، إذ يصعد الحجيج إلى عرفات، يخلو المسجد الحرام من وفود الأمة، فيتولى أهل مكة، وتحديدًا نساؤها العابدات، مهمة إعمار البيت بالطاعة، فيما يُعرف بـ”يوم الخُليف”.

يُشتق الاسم من معنى الخُلف، إذ يخلف فيه أهل مكة الحجاج الغائبين، فيتفرغون للذكر والقيام وقراءة القرآن، في مشهدٍ روحاني تنفرد به مكة المكرمة عن سائر البقاع.

وتُعرف النساء المشاركات في هذا اليوم بـ”مؤنسات الحرم”، وهنّ من المكيّات اللواتي توارثن هذا الفضل جيلًا بعد جيل، فيجتمعن منذ الساعات الأولى من الفجر وحتى غروب الشمس، يملأن أرجاء المسجد الحرام بالخشوع والدعاء.

ليس “يوم الخُليف” موسمًا عابرًا، بل هو إرث تعبّدي أصيل، تتوارثه الجدات عن الأمهات، ويحرصن على غرسه في وجدان الصغيرات، ليبقى الحرم عامرًا بالحضور النسائي الخاشع، حتى في غياب الحجيج.

تتنوع الطاعات فيه، بين ختمات قرآنية، وتسبيح متواصل، وصلوات تُقام في هدوء، دون إعلان ولا ترتيبٍ رسمي، بل بدافعٍ من المحبة والالتزام الروحي.

وفي هذا اليوم، تبدو أروقة المسجد شاهدة على أن العبادة لا تنقطع من هذه الأرض، وأن أهل مكة لا يتركون بيت الله وحيدًا، بل يأنس بهم الحرم كما يألف الزمان صوتهم.

هو يوم تسكن فيه الضجة، ويعلو فيه صوت القلب، وتغدو كل امرأة فيه سفيرة للإيمان، شاهدة على عمق العلاقة بين المكان وأهله.

ويظل “يوم الخُليف” أحد أبهى تجليات الوفاء المكّي، حيث تلتقي الروح بالإرث، وتحتفي مكة بنسائها، الحارسات بصمت لجمال الطاعة.