بقلم- سارة العتيبي
في هدوء الليل الغامض، وأبواب البيوت موصدة بأمان، ينسلُّ عدوٌّ خفيٌّ من شقوق الزمن والفضاء؛ لا صوت له ولا صدى، يدخل غرف أطفالنا ليزرع فيها بذور أفكار متطرفة أو مغلوطة، تهدد جذور عاداتنا وتقاليدنا وهويتنا الإسلامية والوطنية.
لم تعد المعركة اليوم على أرض المعارك المألوفة، بل باتت حربًا مستترةً داخل النفوس، وأصبح الغزو الفكري معركةً حقيقية تستهدف جيلًا جديدًا في لحظة تشكُّله ومراهقته، مستغلًّا أن العقول الصاعدة كالأوراق البيضاء، تمتص ما يُلقى فيها من أفكار، وفي أيامنا هذه، تضيع تلك الأوراق البيضاء بين سيل من شاشات الهواتف، والألعاب الإلكترونية، ومقاطع “تيك توك” الشهيرة.
وينسى الطفل في خضم هذا السيل أن هناك من يهتم بغرس قيمه الأصيلة. هذا العدو الخفي لا يُهزم بالهجوم الصارخ؛ بل تُدحر الأفكار الدخيلة بنار المعرفة وهدوء الكلام، وفي البيت يبدأ حصن الفكر؛ فالوالدان هما الحارسان الأمينان، يرويان معًا قصص الدين والتاريخ ورحلة الأمة، فيُشبِعان نفوس الأبناء بالانتماء والعزة، فالقيم الراسخة، والحوار الدائم، والرحمة في المعاملة، تزرع فيهم مناعةً تحفظهم من تلك السموم الإعلامية.
حين يسمع الطفل سيرة بطولة من تاريخنا، أو حكمة علم يفتخر بها أبوه، تنغرس في عقله شجرة حماية تمنع أي فكر مريض من التغلغل، ولا يكفي أن نغلق الشاشات عنهم، بل علينا أن نفتح معهم أبواب الحوار، فالتربية الحازمة تسبق أي عقوبة، والتفاهم معها – يدًا بيد – يصنع جيلًا واعيًا.
أما المدرسة، فهي السور الثاني في حماية عقول الناشئة؛ فالمعلم المعطاء يشق طريقًا إلى فكر الطالب بلغةٍ تفهمها نفسه، ويعلّمه تاريخ أمته العظيم وقيمه الإسلامية بمنطقٍ واضح وصادق، وينبغي أن تمتلئ المناهج ووسائل التعلم بعبق هويتنا، وفي الحصص والأنشطة تُغرس قيم الوطنية والعلم، ويُحفَّز الناشئون على التفكير النقدي، هكذا تصبح المدرسة بيتًا ثانيًا لبناء الهوية، فتقوى المناعة الفكرية قبل أن يترك الأعداء آثارهم على الصفحات الشابة.
ثم يأتي دور الإعلام في الصمود أمام الغزو، ففي زمن سمته وسائل التواصل السريعة وتعددت فيه أشكال التأثير، يجب أن تكون لرسالتنا الإعلامية صدىً عميقٌ ومحفز، علينا أن نملأ شاشاتنا بقصص القدوات الصالحة من علماء، ومبدعين، وشخصيات وطنية أفذاذ.
الإعلام الوطني عليه أن يرفع راية الثقافة، ويسلّط الضوء على تراثنا وقيمنا الأصيلة، فلتتحمل كل قناة وصحيفة مسؤولية توعية الجيل، ولتُذكّرنا برامجنا دومًا بجوهر الإسلام ومعنى الوطن في كل كلمة تقدمها، فليس في القوة أعظم من الوعي العميق، والتربية الحازمة، والحوار المفتوح.
علينا أن نغرس في أطفالنا التفكير النقدي، وشجاعة طرح الأسئلة، وأن نجيب عن فضولهم بصدر رحبٍ وصبر جميل، فالتربية الواعية تزرع في العقول بذور المناعة والمعرفة، وتحصِّنها ضد أي فكر ضال.
نحن اليوم بحاجة إلى حوار أسري ومعرفي مفتوح، وإشراك الأطفال في رسم مستقبلهم، حتى يدركوا أن هويتهم وعقيدتهم جزء لا يتجزأ من كرامتهم ومصالحهم، إن مستقبل الأمة يبدأ حقًا من فكر طفل، فإذا نجحنا في حماية هذا الفكر وتنميته بالعلم والوعي، فسنسد الطريق أمام أي غزو ثقافي.
إن معركة الفكر ليست أقل شرفًا أو أهمية من أي معركة خيضت على ثرى هذا الوطن، فإذا اجتمعت إرادتنا على حماية أجيالنا من الغزو الفكري، ستظل رايتنا خافقة بشباب واعٍ مؤمن بقيمه، وستبقى السعودية، بحفظ الله، رائدةً في تحقيق آمالها.