بقلم- شموخ نهار الحربي
“ازرع فكرةً تحصد فعلًا، ازرع فعلًا تحصد عادة، ازرع عادةً تحصد خُلُقًا، ازرع خُلُقًا تحصد مصيرًا.”
هكذا يلخّص المثلُ الصيني العلاقةَ السرمديّة بين البذور الأولى والثمار الأخيرة، بين التربية التي تُلقى خفيةً في تربة الطفل، والزهور التي ستزيّن—أو تشوِّه—حديقة المجتمع بأسره.
1. البذرة: صغيرةٌ… لكنها تحكم شكل الغابة
عندما نغرس بذرة ياسمين أو شوك، لا يمكننا بعد سنواتٍ أن نشتكي رائحة الأزهار أو وخز الأشواك؛ فالحمض النووي خُطَّ من اللحظة الأولى، وكذلك الطفل:
• كلمةٌ قاسيةٌ في سِنّ الخامسة قد تُبرعم شعورًا بالنقص يظلّ يزحف حتى الشيخوخة.
• لحظةُ تصديقٍ وحَثّ تشعل ميلاد موهبةٍ فنية أو رياضية تستمر مدى الحياة.
التربية هي «هندسةُ الاحتمالات»؛ نختار بذور القيم (صدق، شغف، رحمة) فنبني احتمالات مستقبلٍ يفيض بها.
2. التربة: خصوبة البيئة تسبق عبقرية البذور
لا تنمو أشجار المانغو في تربة ملحيّة، ولا يزدهر الإبداع في بيتٍ يجرّم الخطأ. البيئة—بيتًا كان أو مدرسة—هي خليط المغذيات الذي يقرّر إن كانت البذرة ستنبت أو تتعفّن.
• الاحترام المتبادل هو النيتروجين: يغذّي جذور الثقة.
• الروتين المنظم هو الفوسفور: يمنح الطاقة للنمو المنتظم.
• المساحات المفتوحة للّعب والخيال هي البوتاسيوم: تجعل السيقان قويةً ضد رياح الفشل.
3. الماء والضوء: تِقْنيتا التكرار والنموذج
بذرة بلا ماء تموت، وبذرة بلا ضوء تذبل، الطفل بلا تكرارٍ إيجابي وبلا نموذجٍ يُحتذى ينمو مرتَبِك الاتجاهات.
• التكرار: إشادة بالصدق كلما ظهر، لا مرةً واحدة في مهرجان الجوائز المدرسية.
• النموذج: قدوةٌ حيةٌ يرى فيها الطفل انسجام القول والفعل؛ فالوالد الذي يَصرخ «لا تصرخ» يسكب الظلام بدل الضوء.
4. التقليم: فنّ إزالة ما يعيق الإزهار
الشجرة التي لا تُقَلَّم تتشابك فروعها فتقلّ الأزهار ويصغر الثمر، والتربية الإيجابية ليست تدليلاً مطلقًا؛ إنها أيضًا:
• ضبطُ الشاشات كي لا تخنق جذور التركيز.
• حدٌّ حازمٌ مع التنمّر اللفظي قبل أن يتحوّل عادة.
التقليم موقفُ محبةٍ يرى أبعد من اللحظة، فيحمي الشجرة من نفسها.
5. الآفات: أخطاء حتمية لا تُفسد الحديقة إذا رُصِدَت مبكرًا
حشرة صغيرة تكفي لتساقط الأوراق إن غَفَل البستاني، كذلك السلوكيات السامة—كالكذب المزمن أو العنف—تبدأ نقطةً سوداء، علاجها؟
1. رصدٌ يقِظ بلا تبرير «هو لسه صغير».
2. مبيدُ الحوار المفتوح: نسأل أولاً «لماذا فعلت؟» لا «كيف تجرؤ؟»
3. علاجٌ بيئي: إن كانت الآفة عدوى من صحبةٍ سيئة، تُستبدل التربة الاجتماعية.
6. موسم الإزهار: ثمارٌ تتجاوز حدود الحديقة
حين تتفتح زهرة الأخلاق في شابٍ أو شابة، لا ينتفع البيت وحده؛ يرى الجارُ المنظر، ويشمُّ المارُّ الرائحة، ويستظلّ الغريبُ بالظل، المجتمع يتعافى بكل زهرة صالحة:
• الطبيب المتعاطف نتيجة بذرة الرحمة.
• رائد الأعمال المبتكر ابنُ بذرة الشغف والجرأة.
• القائد العادل ثمرةُ بذرة الصدق والمسؤولية.
7. دورة البذور: من طفلٍ إلى راعٍ لجيلٍ جديد
الزهور تنتج بذورًا تسقط فتبدأ دورة حياة جديدة، الطفل المُربَّى على العطاء سيعيد زرع القيم في أبنائه وطلابه وموظفيه، وهكذا تتحوّل تربيةٌ صالحةٌ واحدة إلى غابةٍ من الفضائل على مرّ الأجيال.
خاتمة رأي
لسنا مُجرّد والدين أو معلمين؛ نحن بستانيون كونيون نرسم شكل المجتمع المستقبلي ونحن نسقي أصيصًا صغيرًا هذا الصباح، كل كلمةٍ نهمسها، كل حدودٍ نرسمها، كل فرصة استكشافٍ نمنحها، هي بذرةٌ قد تتحول إلى سروٍ شامخ أو شوكٍ مؤذٍ/ فلنحفر جيدًا، ولنُحسن اختيار البذور، ولنواظب على السقيا والضوء—حتى إذا مشينا في شوارع الغد، تفتّحت حولنا حدائق صنعناها بأيدينا، وشممنا عبيرًا من غرس قلوبنا.