بقلم: سارة العتيبي
ربما كان مشهد إعلان نتائج «آيسف 2025» في مدينة كولومبوس الأميركية لحظة فارقة في تاريخ الإبداع العلمي، وربما لم يكن أحد من الحضور يتوقع أن يكون الحضور السعودي بهذه القوة والتميز.
40 شابا وشابة من أبناء المملكة حملوا مشاريعهم وأحلامهم إلى المنصة الدولية، ولم يخذلوا وطنهم، وفي معرض يعد الأضخم عالميا في مجال الأبحاث الطلابية، نافسوا أكثر من 1700 مشارك من 70 دولة، وعادوا بـ23 جائزة، بينها 14 جائزة كبرى، وكأنهم يقولون للعالم إنّ «المستقبل يبدأ من هنا، من السعودية».
لكن الأمر لم يكن مجرّد مشاركة مشرفة أو تمثيل رمزي، ما حدث كان استعراضا حقيقيا لقوة ناعمة تتعاظم، واستثمار طويل الأمد في العقول، تقوده مؤسسة الملك عبدالعزيز ورجاله للموهبة والإبداع «موهبة»، بالشراكة مع وزارة التعليم، هذه الجهات تراهن على المستقبل، وتصنع تحولا استراتيجيا في طريقة تعاملنا مع الموهبة، من اكتشافها، إلى رعايتها، إلى تمكينها عالميا.
النتائج لم تأتِ من فراغ، فمنذ عام 2007، والمملكة تحجز لنفسها مكانا ثابتا في هذا المحفل، ومع كل عام يتضاعف المنجز، والآن ومع بلوغ عدد الجوائز السعودية في «آيسف» إلى 183 جائزة، منها 124 جائزة كبرى، يمكن القول بثقة: نحن نحن نصنع حاضرنا ونؤسس مستقبلنا الملهم للعالم.
ثمّة شيء مختلف في هذه الدورة، فبالإضافة إلى الجوائز التي حصدها الفريق السعودي، قدّمت المملكة 18 جائزة خاصة لمشاركين من دول شتى، من زيمبابوي إلى سنغافورة، ومن تركيا إلى التشيك، جوائز كانت عبارة عن منح دراسية في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، وبرامج إثرائية نوعية عبر «موهبة»، استكمالا لرسالتها النبيلة بدعهم الإبداع محليا وعالميا.
في لحظة كان العالم ينصت فيها إلى الشباب ويراهن على العقول، وقفت المملكة شامخة بأبنائها وبناتها.. الطالبة مريم المحيش، والطالبتان أريج القرني وجيوان شعبي، وغيرهم من الفائزين، لم يكونوا يمثلون أنفسهم فقط، بل مثلوا جيلا سعوديا جديدا يتنفس العلم ويؤمن بالابتكار، ويمضي بثقة في طريق صنع المستقبل.
وهذا كله لا ينفصل عن رؤية المملكة 2030، التي وضعت في جوهرها بناء مجتمع معرفي، قائم على التميز والإبداع، وتلك الرؤية التي آمنت بأن الثروة الحقيقية في عقول أبنائها، ولذلك ما نراه اليوم من منجزات علمية ليس إلا نتيجة طبيعية لاستراتيجية واضحة المعالم، تشرف عليها قيادة تدرك أن التنافس الحقيقي في هذا القرن هو تنافس في الأفكار.
وفي الوقت الذي لا تزال فيه بعض الدول تجادل في جدوى دعم البحث العلمي، كانت السعودية تطلق أبناءها إلى العالم، وتمنحهم الثقة، وتحتفي بإنجازاتهم.
نعم، السعوديون ينافسون العالم.. لكنهم لا يتوقفون عند ذلك، إنهم يكتبون فصلا جديدا من قصة وطن يعرف تماما أن العقول هي استثماره الأذكى، وأن المستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع.