بقلم- سارة العتيبي
حين أسمع بعض الأصوات التي تنتقد قرار «لا حج بلا تصريح»، أتساءل: هل حقًا فهم هؤلاء جوهر القرار؟ أم أغفلتهم العاطفة عن رؤية الأرقام، والحقيقة المريرة التي شهدناها في موسم الحج الماضي؟
بدأت السعودية في أواخر أبريل الماضي تنفيذ أحد أهم قراراتها التنظيمية والإنسانية، وهو منع دخول المقيمين غير الحاصلين على تصاريح إلى مكة المكرمة، وقد يظنه البعض قرارًا إداريًا بحتًا، لكنه - في نظري - قرار حياة، قرار صادق مع معاني الشريعة، ومع كرامة الإنسان، ومع قداسة الركن الخامس من أركان الإسلام.
نحن لا نتحدث عن نظرية أو افتراض، بل نحن أمام علاج لإشكالية كانت تؤرقنا جميعًا؛ ففي حج 1445هـ، سُجِّلت 1301 حالة وفاة، منها 1079 حاجًا مخالفًا بنسبة 83%، أليست هذه مأساة يمكن تجنبها؟ أليس من الواجب علينا أن نمنع تكرارها؟
في قناعتي الشخصية، إن الذين ينتقدون قرار «لا حج بلا تصريح» غالبًا ما ينطلقون من عاطفة دينية نبيلة، لكنهم يغفلون حقيقة مهمة، وهي أنّ الشريعة لم تأمرنا أن نؤدي الحج بأي ثمن، واشترطت علينا الاستطاعة. وقياسًا على ذلك، فمن لم يحصل على تصريح فهو شرعًا غير مستطيع، أما من يخالف ويكذب ويخادع، فلا شك في أنه بدأ عبادته بمعصية.
ولك أن تتخيل - يا عزيزي القارئ - كم الفوضى، والتكدس، والأمراض، والتائهين، بسبب مخالفة النظام، والأنكى من ذلك كله سلب حق الحجاج النظاميين في الراحة والأمان؛ فمن يخالف يستولي على فرصة غيره.
ولأن السعودية تعرف تمامًا حجم التحدي، واجهت الحملات الوهمية خلال الموسم الماضي، وفرضت الرقابة على مداخل مكة. لكنها - في المقابل - قدمت العون للمخالفين حين انهاروا صحيًا، وعالجت من احتاج إلى العلاج، دون أن تسأل إن كان لديهم تصريح أم لا، وهذه هي معادلة العدالة والرحمة التي يصعب على من ينتقد أن يراها من وراء شاشته.
شخصيًا، أرى في القرار شجاعة دولة قررت أن تضع حدًا لعبث استمر طويلًا، بأن تقول: مرحبًا بالحجاج من كل بلاد العالم، لكن لا حج بلا تنظيم. وحتى يكون هناك التزام، لا غنى عن الحصول على التصريح، الذي يضمن سلامة الحاج ويوفر للمملكة المعلومات التي تستطيع من خلالها تقديم أفضل الخدمات له.
وأعترف بأن أكثر ما يؤلمني في هذا الجدل هو أن البعض يختزل القضية في شعار: «يمنعون الناس من بيت الله»، وأقول لهم: أي بيت هذا الذي تدخل إليه وأنت تكذب؟ وأي عبادة هذه التي تبدأ بالتحايل؟
يا أخي، الحج لا يُسرق.. ولا حج إلا بتصريح، تحقيقًا للمقاصد الشرعية الكبرى في جلب المصالح، وحفظًا لأرواح العباد.