بقلم- فواز الفوزان
في ظل التغيرات الاجتماعية المتسارعة وتزايد الضغوط النفسية التي تواجهها الأسر، بات الإرشاد الأسري أحد أبرز الأدوات الداعمة للاستقرار الأسري والتماسك المجتمعي، ويعد هذا المجال من التخصصات الحساسة التي تتطلب تأهيلاً علمياً ومهنياً دقيقاً يجمع بين علم النفس وعلم الاجتماع والتربية، إضافة إلى مهارات تشخيصية وتحليلية تُكتسب من خلال الدراسة الأكاديمية والتدريب العملي المكثف، وعندما يمارس الإرشاد الأسري من قبل مختصين مرخصين، فإنه يحقق نتائج ملموسة في تحسين العلاقات داخل الأسرة والحد من النزاعات وتعزيز الصحة النفسية.
غير أن العصر الرقمي الذي نعيشه اليوم، وعلى الرغم مما يقدمه من تسهيلات في الوصول إلى الخدمات والمعلومات جلب معه تحديات جديدة، لعل أبرزها انتشار "الإرشاد الأسري الرقمي غير المرخص" عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث بات من السهل على أي شخص أن يقدم نفسه كمرشد أو مستشار أسري دون امتلاك مؤهلات أكاديمية أو تراخيص مهنية معتمدة. هذا الأمر يفتح الباب أمام مخاطر حقيقية تهدد كيان الأسرة واستقرارها.
فمنصات التواصل تعج اليوم بأشخاص يقدمون نصائح تتعلق بالتربية والعلاقات الزوجية والصحة النفسية دون أن تكون لديهم خلفية علمية أو تدريب متخصص. وغالباً ما يستند هؤلاء إلى تجاربهم الشخصية أو آراء شعبوية تفتقر إلى الأسس العلمية، مما يؤدي إلى ترويج مفاهيم خاطئة قد تتسبب في تفاقم المشكلات الأسرية بدلا من حلها، بل إن بعض "الناصحين الرقميين" لا يترددون في تقديم نصائح تشجع على الانفصال أو تعزز أفكارا تربوية مدمرة من دون أي اعتبار لتبعاتها النفسية والاجتماعية.
والأخطر من ذلك أن بعض هؤلاء يستغلون حاجات الأفراد العاطفية والإنسانية لتحقيق مكاسب مادية من خلال بيع استشارات غير علمية أو حتى الابتزاز العاطفي والمالي، وهنا يكمن الفرق الجوهري بين المختصين الحقيقيين وبين من يمارسون الإرشاد الأسري كنوع من "الترند" أو وسيلة للربح، فالمختص المرخص يلتزم بأخلاقيات المهنة من حيث السرية، والموضوعية، واحترام خصوصية العميل، في حين أن من يفتقرون للتأهيل قد يسيئون استخدام الثقة أو يوجهون الأسر نحو قرارات كارثية.
إن ترك هذا المجال دون تنظيم يعرض المجتمع لمخاطر جسيمة. لذا تبرز هنا الحاجة الملحة إلى تدخل الجهات المعنية لوضع أطر قانونية واضحة وصارمة تحظر ممارسة الإرشاد الأسري دون ترخيص أسوة بعدد من المهن الأخرى التي تم تقنينها مثل الوساطة العقارية أو العمل الحر، كما ينبغي تفعيل العقوبات الرادعة بحق من يخالفون هذه الأنظمة لأجل حماية الأسر من العبث بمصيرها عبر مشورات غير مسؤولة.
ولا يقل دور التوعية أهمية عن سن القوانين. فالمجتمع يحتاج إلى حملات إعلامية شاملة تحذر من مخاطر "المرشدين الرقميين غير المؤهلين"، وتشجع الأفراد على اللجوء إلى مختصين معتمدين وموثوقين، وينبغي أن تتعاون وسائل الإعلام والمؤسسات الرسمية والأهلية في الترويج للجهات المعتمدة التي تقدم خدمات إرشادية موثوقة إلى جانب إتاحة قنوات للإبلاغ عن الممارسات المشبوهة والتصرفات غير القانونية.
لقد آن الأوان لإدراك أن الإرشاد الأسري ليس ترفاً، بل حاجة أساسية تتطلب خبرة وتأهيل، وفي عالم رقمي مفتوح، يصبح من الضروري رفع الوعي وتمكين الرقابة لضمان أن تكون النصيحة بلسماً لا سماً، ودعما لا سببا في الانهيار الأسري، فبناء أسر قوية يبدأ من حماية الأفراد من التضليل، وتمكينهم من الوصول إلى المشورة الصحيحة التي تبنى على العلم لا على العشوائية.