الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٥ ديسمبر-٢٠٢٤       23320

بقلم - د. غالب محمد طه

أظهرت العديد من الدراسات العلمية تأثيرات إيجابية قوية لممارسة الشكر على الدماغ والجهاز المناعي، حيث تبين أن الامتنان لا يعزز الطاقة الإيجابية في العقل فحسب، بل يساهم أيضًا في تحفيز الإبداع وزيادة القدرة على الإنجاز. علاوة على ذلك، تشير بعض الأبحاث إلى أن الشعور المستمر بالامتنان، سواء تجاه الآخرين أو بفضل الله تعالى، يمكن أن يعزز من كفاءة النظام المناعي، مما يساهم في تحسين الصحة العامة.

وفي دراسة نُشرت في مجلة علم النفس الإيجابي إلى أن التعبير عن الشكر يزيد من إنتاجية الأفراد بنسبة تصل إلى 25%، ويعزز شعورهم بالانتماء والرضا. هذا يشير بوضوح إلى أن التقدير لا يعزز الإبداع فحسب، بل يخلق بيئة تُحفز الجميع على العطاء. 

ولكن، هل يعزز التقدير استدامة الإبداع على المدى الطويل؟ الإجابة تكمن في استمرار الشخص في تلقي التقدير على مدار مسيرته الإبداعية، مما يجعله يواصل التقديم دون أن يشعر بالإحباط أو الفقدان.

وقبلها بأكثر من ألف وأربعمائة عام، أكد خاتم الأنبياء والمرسلين على قيمة الشكر وأثره في استدامة النعم، حيث حثت العديد من الآيات القرآنية على شكر الله تعالى. ومما يعزز هذه القيمة أن مادة "شكر" وردت في القرآن الكريم (٧٥) مرة، وهو ما يعكس فاعلية الامتنان في تحسين حياة الإنسان. لولا الشكر لما استدامت النعم.

لحظة، أيها القارئ الكريم، تخيل عالمًا بلا كلمات تقدير، حيث تُطوى صفحات الإبداع دون أن يلاحظها أحد. 

هل كان نجيب محفوظ سيستمر في كتابة رواياته لو لم يجد قارئًا يقدّرها؟ وهل كان محمود درويش سيُبدع لو لم يسمع صدى كلماته يتردد في القلوب؟ هذه التساؤلات تشير إلى دور التقدير المحوري في تحفيز الإبداع واستمراريته، مما يجعله أحد العوامل الرئيسية التي تساهم في تغذية الإبداع واستدامته.

التقدير ليس مجرد كلمات تُقال، بل هو دعامة أساسية لتقدم المجتمعات ونهضتها. فغالبًا ما يبدأ الإبداع بدافع داخلي، كرغبة في التعبير أو حب المعرفة. 

ومع ذلك، فإن هذا الدافع يحتاج إلى تغذية مستمرة، وهنا يظهر دور التقدير كأحد أشكال هذه التغذية. فهو أشبه بماء الحياة الذي يروي بذور الإبداع ويمنحها القدرة على النمو والازدهار. 

عندما يُظهر الآخرون تقديرهم لما نكتب أو نبدع، فإننا لا نشعر فقط بالرضا، بل نجد أن جهودنا قد تركت أثرًا ملموسًا، وربما ألهمت الآخرين.

هل يمكن أن يُحفزنا التقدير على الاستمرار في الإبداع؟ في مجتمعاتنا العربية، غالبًا ما يكون التقدير للمبدعين أقل وضوحًا مقارنة بثقافات أخرى، مما يثير تساؤلاً جوهريًا حول كيف يمكننا خلق بيئة تحتضن الإبداع وتدعمه. 

ربما يكمن الحل في إدراك أعمق لدور التقدير في بناء الإنسان المبدع، وتعزيز مبادرات تُبرز قيمة الجهد الإبداعي في مختلف المجالات. 

فالتقدير ليس مجرد مجاملة، بل هو طاقة تُعيد تشكيل دوافع المبدع وتحفزه على تقديم الأفضل. ولكن، كيف يمكننا أن نضمن استدامة هذا التقدير وتحفيزه على المدى الطويل؟ هل يكفي الشكر البسيط، أم يحتاج المبدعون إلى دعم مستمر؟

إحدى التحديات في مجتمعاتنا العربية تتجلى في قلة الاعتراف بالجهود الإبداعية، خاصة تلك التي لا تُدر عوائد مادية مباشرة. 

هذا الواقع يتطلب جهودًا أكبر لتغيير الثقافة السائدة، من خلال نشر الوعي حول أهمية التقدير وتعزيز دور المؤسسات التعليمية والإعلامية في دعم المبدعين. ربما يكمن التحدي الأكبر في بناء ثقافة ترى في الشكر قيمة متجددة، وليس مجرد واجب اجتماعي. 

ولكن، كيف يمكننا تحويل هذه القيمة إلى جزء من الروتين اليومي للمجتمع؟ قد تكمن الإجابة في أن نبدأ بتعليم الأجيال الجديدة أهمية الشكر في المدارس والمجتمعات.

تخيل عالماً يُقدر فيه كل جهد صادق وكل فكرة مبتكرة. عالم تصبح فيه ثقافة الشكر عادة يومية، تُحفز الأفراد على تحقيق المزيد، وتُعزز التقدم في مختلف المجالات. 

في هذا العالم، لن يكون الشكر مجرد كلمات، بل نظامًا يُعيد تشكيل العلاقة بين الفرد والمجتمع، ليصبح الإبداع بحد ذاته تعبيرًا عن الامتنان للمجتمع.

على المستوى الشخصي، لا يمكنني نسيان تلك اللحظة التي تلقيت فيها رسالة شكر من رئيس تحرير إحدى الصحف التي أكتب فيها مقالاتي. 

كانت كلمات بسيطة، لكنها أثارت في نفسي مشاعر عميقة وجعلتني أتساءل: ما الذي يدفع المبدع للاستمرار في عطائه؟ هل هو شغف الكتابة وحده الذي يعبّر عن نفسه، أم أن هناك قوى خفية أخرى، مثل التقدير والتشجيع، التي تمنح الإبداع الزخم وتجعله يستمر في النمو والتطور؟ وإذا كان التقدير يؤثر بشكل كبير في دافعنا، فهل يأتي المال أيضًا كعامل محفز لا يقل أهمية في تشجيع المبدع على الاستمرار في إنتاجه؟

إلى كل مبدع، أقول: دع شغفك يقودك، لكن لا تستهِن بأهمية التقدير كوقود يعيد إشعال طاقتك. 

وفي المقابل، أدعو كل قارئ إلى أن يتوقف للحظة ويتأمل: من يستحق شكرًا اليوم؟ رسالة شكر صغيرة قد تكون الحافز الذي يُلهم إنسانًا ليواصل مسيرته الإبداعية. فلنبدأ الآن عادة الشكر، ليس فقط للمبدعين، بل لكل من يترك أثرًا في حياتنا، ولو كان بسيطًا.