بقلم-أحمد صالح حلبي
عرفت المكتبة اصطلاحا بأنها " مؤسَّسة علميَّة، وثقافيَّة، وفكريَّة، واجتماعية، وتربويَّة، هدفها جمع مصادر المعلومات وتنميتها بالطُّرق المختلفة، مثل الشراء والتبادل، والإهداء، والإيداع، وتنظيمها من خلال فهرستها، وتصنيفها، وترتيبها على الرُّفوف، ليسهل استرجاعها بسهولة وفي أقصر وقت مُمكن، وتُقدِّم خدماتها لجميع أفراد المجتمع الذين يحتاجونها، من خلال خدمات الإعارة والدوريات والتصوير والمراجع، والإحاطة الجارية، والبث الانتقائي للمعلومات، بالإضافة للخدمات المُحوسبة عن طريق كادر بشري مؤهَّل علميًّا وفنيًّا وتقنيًّا، في مجال علم المكتبات والمعلومات ".
أما لُغةً فـــ " جمعها مكتبات، وهي مكان بيع الكتب والأدوات الكتابية، ومكان جمعها وحفظها " ،وعرف قاموس أكسفورد المكتبة بانها " عبارة عن غُرفة أو مجموعة الغُرف، وتحتوي على مجموعة من الكُتب والمواد الأُخرى، بهدف استخدامها من قِبل عامَّة الناس، أو فئات مُخصَّصة، أو مجموعة تابعة لهيئة أو جمعية أو ما شابهها ".
وقبل الحديث عن حركة التَّدوين في العصور الإسلامية وازدهارها وبروز المكتبات ، فلابد من وقفة نتعرف فيها عن نشأتها وأشهرها ، في النشأة كما تشير المصادر ظهرت في حضارات بلاد الرافدين وأرض النِّيل ؛ وأشهَر مكتبة هي مكتبة «آشور بانيبال» التي كانت دارًا لحفظ السجلات والمحفوظات؛ كما أنَّ المصريين القدماء أسَّسوا مكتبات عديدة، منها: مكتبة رمسيس، ومكتبة أتفو، وساعدَ في ذلك أنَّ مصر كانت مصدرَ مادَّة الكتابة في القديم، فكان يُعتمَد في ذلك على ورق البردي.
وفي العصر اليوناني بدأ التقدُّم الفِعلي للمكتبات تزامنا مع الفترة التي شهدَت نشاط المفكِّرين والفلاسفة؛ أمثال أرسطو وأفلاطون، فأسَّس بطليموس سوتر - أولُ ملوك أسرة الإسكندر الأكبر - في مصر مكتبةَ الإسكندرية، وهو أَعظم وأَشهر حدَث في تاريخ المكتبات؛ من حيث أنظمةُ تَصنيفها وخدماتها.
وفي عصر الدولة الإسلامية؛ كانت الكتابة والتدوين غير منتشرين أولَ الأمر، ولكن بسبب الحركة الدينيَّة التي جاء بها الإسلامُ، وما فيها من حثٍّ على العلم والقراءة، وما نتج عن ذلك من حفظٍ للقرآن والحديث في الصحائف والكتب - بدأَت تَنتشر الكتابة، ومِن ثَمَّ المكتبات.
من أشهَر المكتبات في ذلك العصر: مكتبة الصَّحابي الجليل عبد الله بن عباس، التي استغرق بعضُها حِمْلَ بعير، وكذلك عروةُ بن الزبير، وأيضًا معاوية بن أبي سفيان الذي كانت لديه دَفاترُ فيها سِيَر الملوك وأخبارهم.
أما في عصر الدولة الأمويِة فإن حركة التَّدوين أخذت في الانتشار مما نتج عنه ظهور أولى المدونات كتدوين الحديث الشريف، والتفسير، واللُّغة، والشعر، والسيرة، والتاريخ.
فيما يعتبر خالد بن يزيد بن معاوية أول من تَرجم الكتب الأجنبيَّة إلى العربيَّة ، وكانت مكتبته تضم مجموعة من الكتبٌ المتنوعة فتجد لديه كتبا في علم الفَلك والطبِّ و الكيمياء.
وأدى ازدهار حركة التدوين في عصر الدولة العباسية إلى ازدهارها ، ونشاط التأليف فانتشرت المكتبات وأشهرها " دار الحكمة " ، أو " بيت الحكمة " كما تعرف ، وهي من أكبرَ مكتبات العصر العبَّاسي ، وحينما استولى المغول على بغداد سنة 656هـ ، احترقت الكثير من محتويات المكتبة ، والتي ضمت مؤلَفات قيمة ونفيسة في شتىء المجالات العلمية والفلسفية والأدبية وغيرها، حيث أضرم المغول النار في المكتبة وألقوا بالكُتب في نهري دجلة والفرات، حتى قيل أن ماء نهر دجلة تحول الى الأحمر والأزرق بفعل دماء القتلى وحبر الكتب التي أغرقت.
وحديثنا عن المكتبات ومحتوياتها يأخذنا للحديث عن مكتبة الحرم المكي الشريف والتي تعود نشأتها إلى عام 160 هــ ، وتحديدا في عهد الخليفة العباسي محمد المهدي ثالث خلفاء الدولة العباسية ، أما تسميتها بمكتبة الحرم المكي الشريف فتعود إلى الملك عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ ، والذي شكل لجنة من علماء مكة المكرمة لدراسة أوضاعها وتنظيمها بما يتفق مع مكانتها وأهميتها وأسست في عهد الملك عبد العزيز عام 1357 هـ ، وكانت نواة مكتبة الحرم المكي داخل الحرم المكي الشريف وتحديدا بإحدى قباب الحرم والتي تم تخصيصها لحفظ المصاحف التي ترد إلى الحرم المكي وبمرور الأيام نمت مجموعاتها حتى انتقلت إلى خارج الحرم .
أما أول مرة انتقلت فيها المكتبة إلى خارج مبنى المسجد الحرام فكانت في عام 1375هـ ، ويعتبر مبناها الذي أنشئ في عام 1391هـ أول مبنى للمكتبة، وقد تمت إزالته في عام 1412هـ في التوسعة التاريخية للملك فهد بن عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ .
وتوجد المكتبة حاليا في حي بطحاء قريش أحد أحياء مكة المكرمة، بمبنى يتكون من 13 طابقاً بمساحة أرضية بلغت 2066 متر مربع، وثلاثة مداخل أمامية للرجال ومداخل للنساء، وبوابات خاصة بالمواقف السفلية، وسبع قاعات اطلاع، ومكتبة الطفل ومكاتب إدارية وقاعة اجتماعات، وقاعات تدريب ومكتب مساند للإدارة العامة لأكاديمية المسجد الحرام، ومركز مساند لتقنية المعلومات ومركز للبحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي، وإدارة للمطبوعات والنشر وإدارة للإنتاج الصوتي والمرئي التوجيهي، وتقدم العديد من الأنشطة الثقافية والتوعوية، فتم في عام 1436 هــ افتتاح قسم مكتبة الطفل .
وفي كتابه ( نثر القلم في تاريخ مكتبة الحرم ) تحدث الدكتور محمد بن عبدالله باجودة ، عن (الوقفيات على مكتبة الحرم المكي الشريف)، مشيراً إلى “أمر ملك اليمن نور الدين بن صلاح الدين الرسولي عام 594 هـ بإنشاء رباط بمكة أوقف فيه كتباً منها المجمل لابن فارس، والاستيعاب لابن عبدالبر، ثم غدا هذا الرباط مع الأيام حافلاً بالكتب وما يزال يعرف برباط الحضارمة”.
أما بداية تطورها فكان في عهد الدولة السعودية، وفقا لما أوضحه الدكتور محمد باجودة بقوله : “كانت المكتبة في بداية أمرها تنتهج نهجاً تقليدياً في جل نشاطاتها، ورغبة من القائمين على أمر المكتبة في أن تواكب المكتبة التطورات التي شهدتها وصيفاتها، فقد رفعت مديرية المعارف العامة إلى المقام السامي اقتراحاً بتأسيس مجلس إدارة المكتبة العامة وقد أحيل الاقتراح المذكور إلى مجلس الشورى لدراسته فبحث من قبل المجلس وتمت الموافقة عليه”، ونشر ذلك في جريدة أم القرى بعددها رقم 696 الصادر يوم الجمعة 8 صفر 1357 هــ، وتكونت لجنة ضمت “السادة المشايخ: إبراهيم فطاني، أحمد السباعي، أمين عقيل، حسن مشاط، طاهر كردي، درويش كاتب، عبدالسلام كامل، عبدالقادر حسن الياس، عبدالله فدا، عبدالوهاب الدهلوي، علوي شطا”.
ويبلغ عدد المخطوطات الاصلية جاليا في المكتبة ( 6842 ) مخطوطاً أصلياً، و ( 2634 ) مصوراً عربياً وأعجمياً، وأكثر من مائتي ألف كتاب ، وسبعة آلاف كتاب نادر .
أما مركز العناية بالمقتنيات النادرة والثمينة من المخطوطات فيضم المركز آلاف المخطوطات الأصلية والمصورة، وهي المخطوطات الأصلية (7849 مخطوطة)، والمخطوطات غير العربية (372 مخطوطة)، ولغات المخطوطات غير العربية وهي:(الأوردية والتركية والفارسية)، والمخطوطات المصورة أكثر من (2756 مخطوطة)، وفهارس المخطوطات (554 مجلداً)، والمخطوطات الرقمية (31476 مخطوطة رقمية).
ومن أقدم المخطوطات ، مخطوطة (فوائد البزاز) "الغيلانيات في أجزاء الحديث" لمؤلفه: محمد بن عبدالله بن إبراهيم الشافعي المتوفى سنة 354 هـ، وتاريخ نسخه سنة494هـ، والنسخة الوحيدة في العالم من: (مسند الموطأ) لمؤلفه عبدالرحمن بن عبدالله بن محمد الغافقي المتوفى سنة 381 هـ، وتاريخ نسخه سنة 693 هـ، والنسخة الوحيدة الكاملة في العالم من: (مجمع البحرين في زوائد المعجبين) لمؤلفه نجم علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي المتوفى سنة 807 هـ وتاريخ نسخه سنة 857هـ، ونسخة نادرة من (الفروسية والمناصب الحربية) لمؤلفه نجم الدين حسن الرماح المتوفى سنة780هـ، وتاريخ نسخه في القرن الثامن الهجري.
واليوم وبعد مرور أكثر من ألف ومائتي عام نجد أن إدارة المكتبة قد عملت على تطوير وتحديث خدماتها لمرتاديها فتم إنشاء " إدارة الإهداء والمكتبات الخاصة والتي تعنى باقتناء وحفظ وفهرسة المجموعات الخاصة للعلماء والمفكرين وإتاحتها للباحثين والمحققين " ، إضافة لإدارة " الدوريات والصحف " ومن مهامها حفظ الــ " مطبوعات أو نشرات تصدُر في أعداد متتالية بشكل دوري (أسبوعي/شهري/فصلي/سنوي) بفترات منتظمة " ، وهناك " إدارة التوريد التزويد " والتي تمثل البوابة الأساسية للمكتبة التي من خلالها يمكن توفير كل ما تحتاجه المكتبة والمستفيد من مصادر المعلومات الحديثة عن طريق دور النشر والمطبوعات والمكتبات التجارية واستقبال ما يهدى لها من العلماء والمؤلفين والباحثين ورواد المجتمع ، و " إدارة المخطوطات وتعنى بحفظ المخطوطات وترميمها وتعقيمها وفهرستها رقمياً وإتاحتها للباحثين والمحققين " ، وغيرها من الإدارات التي تعني بحفظ الإصدارات سواء كانت كتبا أو مخطوطات لخدمة الباحثين والقراء .
وفي الختام أقول إن مكتبة الحرم المكي الشريف تعد من أقدم المكتبات في المملكة العربية السعودية والجزيرة العربية، ومقتنياتها تضم أكثر من خمسة الاف مخطوطة أصلية، واكثر من ثمانمائة مجلد من الصحف، وأكثر من سبعين ألف شريط، وأكثر من خمسة آلاف فيلم ميكروفلمي، وأكثر من أربعين مكتبة خاصة.