د.بدر الحسين

٣٠ ابريل-٢٠٢٣

الكاتب : د.بدر الحسين
التاريخ: ٣٠ ابريل-٢٠٢٣       47795

 

رحلة الحياة

يخوضُ الإنسانُ في حياته تجاربَ عديدةً، وينخرطُ في رحلات شتَّى؛ بعضها قصيرةٌ وأخرى تستمرُّ شهورا أو سنوات بغرض العمل أو طلب العلم أو غير ذلك. وفي كل رحلة يتعلَّم الإنسان دروسا جديدة، ويكتسب خبرات ومهارات متنوعة، ولكنَّ رحلةَ الحياة تظلُّ أكثر عُمقًا وأغنى تجربةً.

في رحلةِ الحياة تطولُ المدَّة، ويتقادمُ العهد، وتكثرُ المواقف والمتغيرات، وتتوالى أحداثٌ وتتعاقب فصول، وتستجدُّ أمورٌ وتختفي عوالم، ويعتري السَّفينَ ما يَعتريه، وما بينَ هذا وذاك تجدُنا مثلَ الطُّيور المهاجرة التي تنتقلُ من فضاءٍ إلى آخرَ بحثًا عن الدِّفء والأمان، أو كفراشاتٍ حائرات تبحثُ عن مأمَن، ولا تدري على أيِّ غُصن تحطُّ ومع أيِّ نسمةٍ تُغادر.

وفي الرِّحلةِ الطويلة تتألَّق كواكبُ وتخبو أخرى والمجرَّةُ واحدةٌ، وتُمطِرُ سحابةٌ وتُحجِم أخرى والأُفْق واحد، ولربَّما وصلَ قاربٌ أعزَل إلى شواطئ الأمان، وتاهَت سفينة مجهَّزة، وقد تنقادُ بشَعرة، وتنطقُ المرآة الخرساء من دهشة الحُسن.

وفي خضمِّ هذه المتغيِّرات تنسجُ الحياةُ فصولَ الحكاية، وتسيرُ بنا الأقدارُ من محطَّة إلى أخرى، وفي كلِّ محطَّة تكونُ لنا تجربةً نتعلَّم منها دروسًا جديدة وخبرات نوعية، منها ما هو مطرَّزٌ بالفرح والابتهاج، ومنها ما هو مسكونٌ بالألم.

وهذه الرحلة، في الحقيقة، حُزمة من الأطيافِ التي ترسمُ مساراتنا وتلوِّن مشاعرنا، وتجعلُنا منخرطين في غمارِ الحياة يحدونا أملٌ كبيرٌ بالوصول إلى أهداف وتحقيقِ أمنياتٍ لا ندركُ ماهيَّتها الحقيقيَّة ولا نعرفُ إلى أيِّ الجهات ستسيرُ بنا بوصلتُها.

تجمعُنا محطَّات العُمر ومفارقُ الدروب بشخصيَّات دافئة مُفعمة بأجمل المعاني الإنسانية تظلُّ ذكراهُم الرائعةُ منقوشةً في الذاكرة ما حَيينا، وتجمعُنا الظروف بشخصيات جامدة نحارُ في معاملتهم وكيفية مغادرة المشهد بهدوءٍ وحكمة وبأقلِّ الخسائر الممكنة.

والحياة بتفاصيلها المتنوعة والمتداخلة وأحداثها المتناقضة أعظمُ مدرسة؛ حيث تعلِّمنا أبجديات التعامل مع العالم المحيط، وتُكسبنا التجارب الثرية التي نستخلص منها العِبَر والعِظات، وتزودنا بالمناعة اللازمة لتجاوز الصِّعاب والمحطات القاسية، وتعلمنا كيف نستجمعُ قوانا وننهض من جديد لنستمر ونُكمل فصول الحياة.

وتستمرُّ الحكاية، وعلى حين غرَّة تلتهم الدروبُ وقعَ الخطوات وتتركُ الآثار، وتطوي الأيامُ عنفوانَ النَّفس وتُبقي الذكريات، وفي فلَك الذكريات تطوفُ المجرَّةُ الهائمة، ويتوهَّج الحنينُ إلى فصول الرحلة الطويلة التي تصبِحُ وفي غمضةِ عين مجرَّد مواقف عابرة وأحداثٍ سريعة تداعبُ أجفان الروح الغافية بين الحين والحين.

وفي هذه اللحظاتِ الفريدة تستجمعُ النفسُ قوةَ التسامح وروح المحبة وتنظرُ بعينِ الوداد إلى جميع فصول الرحلة وشُخوصها فتلوِّنُ الذكريات والمواقف بالمحبة والحنين، وتصنعُ منها لوحةَ العمر التي ستعكسُ صورتها وتخلِّد مسيرتها للأجيال القادمة.  

ويظلُّ الأملُ كبيرًا في أن يصلَ القاربُ إلى وِجهته المنشودة، وتُمطر السحابةُ في ربيعٍ قادم الغراسَ الظامئة فتنمو من جديد، وتدبُّ الحياة في الأوتار الصامتة فتنشدُ المعزوفةُ ألحانَ السلام التي طالما تردَّدت أصداؤُها في الأعماق.

 

بقلم: د. بدر الحسين

@badrhussain1969