بقلم- ناصر العلي
عندما لا يكون والداك ثريَّين، ومع ذلك ينجحان في أن يمنحاك حياة جميلة، فقدِّر تضحياتهما؛ فليس كل عطاء يُقاس بما في الجيوب، وليس كل غنى يُقاس بما في الأرصدة. فثمة آباء وأمهات لم يمتلكوا رفاهية الحياة، لكنهم امتلكوا من الحب والصبر والإخلاص ما جعل أبناءهم ينعمون بأجمل ما استطاعوا تقديمه.
تأمل قليلًا، أيها الابن، أيتها الابنة: كم من أبٍ عاد إلى بيته منهكًا من عناء العمل، لكنه أخفى تعبه خلف ابتسامة كيلا يثقل على أبنائه بهمومه؟ وكم من أمٍّ أجّلت أمنياتها، وآثرت راحة أبنائها على راحتها، لتمنحهم ما استطاعت من أسباب السعادة والكرامة؟ لم يكن الثراء عنوان حياتهما، لكن التضحية كانت لغتهما، والعطاء كان نهجهما.
لم يستطيعَا أن يورثا أبناءهما ثروة، لكنهما اجتهدا كيلا يورثاهم شعور الحاجة والحرمان. وربما عجزا عن تحقيق بعض الأمنيات، غير أنهما بذلا ما في وسعهما لتكون الحياة أرحب أمام أبنائهما، ولتظل طفولتهما بعيدة قدر الإمكان عن قسوة الظروف.
لذلك، لا تقارن والديك بوالدي الآخرين، ولا تحاكِمهما بما لم يمتلكاه، بل تذكّر ما بذلاه. فليس من الإنصاف أن تحصي ما فاتك من مظاهر الرفاهية، وتغفل سنوات من الرعاية والتعب والدعاء. وكم هو مؤلم أن ينشغل الابن بما لم يحصل عليه، وينسى ما منحه إياه قلبان جعلا سعادتهما في سعادته!
لقد عظّم الإسلام حق الوالدين، وجعل الإحسان إليهما من أعظم القربات، فقال الله تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23]، وقال سبحانه: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 24]. إنها وصية ربانية تختصر معنى الوفاء، وتعلّم الإنسان أن يكون إحسانه إلى والديه امتدادًا للرحمة التي أحاطاه بها في طفولته.
وفي السنة النبوية ما يؤكد عظيم هذه المنزلة؛ فعندما استأذن رجل رسول الله ﷺ في الجهاد، وسأله النبي ﷺ عن والديه، فأخبره أنهما حيان، قال له: «فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ» رواه البخاري ومسلم. وهكذا جعل النبي ﷺ بر الوالدين ميدانًا عظيمًا من ميادين الطاعة، لا يقل شأنًا عن كثير من أعمال البر.
أيها الأبناء والبنات، لا تجعلوا نجاحكم سببًا لنسيان من تعبوا من أجلكم، ولا تسمحوا لانشغالات الحياة أن تحرم والديكم من كلمة طيبة، أو زيارة صادقة، أو اتصال يبدد وحشة الانتظار. وإذا فتح الله لكم أبواب الرزق والنجاح، فاجعلوا من خيره نصيبًا يليق بفضلهما، ولا تبخلوا عليهما بأثمن ما تملكون: الوقت والاهتمام وحسن المعاملة.
وستكبرون يومًا، وربما تصبحون آباء وأمهات، وعندها ستدركون أن وراء كل نفقة قلقًا، ووراء كثير من القرارات تضحية، وأن بعض الابتسامات الأبوية كانت تخفي همومًا لم يشأ أصحابها أن تصل إلى قلوب أبنائهم. حينها ستفهمون أن ما بدا لكم في الطفولة أمرًا عاديًّا، كان في حقيقته ثمرة جهد طويل، ودعوات صادقة، وتنازلات لم تكونوا تدركون حجمها.
أما الآباء والأمهات الذين عاشوا حياة متواضعة، وبذلوا ما استطاعوا في تربية أبنائهم، فلا يحملوا أنفسهم فوق طاقتها؛ فليس العطاء مقصورًا على المال، وإنما التربية الصالحة، والخلق الكريم، وغرس القيم، إرث عظيم لا تقاس قيمته بالأرصدة. وإن رحل الوالدان، فلا ينقطع البر برحيلهما؛ فقد قال رسول الله ﷺ: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» رواه مسلم.
وفي الختام، لا تنتظر حتى يغيب والداك لتدرك أن وجودهما كان أعظم من كثير مما تمنيت امتلاكه. فالحياة تمنح الإنسان فرصًا كثيرة للتعويض، لكنها لا تضمن له بقاء الأحبة. وإذا كان المال قد يُعوَّض، والمناصب قد تُنال، والأحلام قد تتحقق، فإن دفء الوالدين ومكانتهما في القلب نعمة لا يعرف قدرها حق المعرفة إلا من افتقدها.
فمن لم يستطع والداه أن يورثاه قصرًا، فليجعل من أخلاقه قصرًا يخلّد جميل تربيتهما، ومن لم يرث عنهما مالًا، فليكن غنيًّا بالوفاء.
اللهم ارحم والدينا كما ربيانا صغارًا، وألبس الأحياء منهما ثوب الصحة والعافية، واغفر لمن سبقونا إليك، واجعلنا قرة أعين لهم، وأبناءً وبناتٍ لا ينسون الفضل ولا يجحدون المعروف.