الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٧ نوفمبر-٢٠٢٦       4125

بقلم-عبد المحسن محمد الحارثي

ليس أوجعَ للإنسان من أن يُختصر في موقفٍ واحد، ولا أظلمَ من أن تُصنع صورته في أذهان الناس من كلمةٍ منقولة، أو لحظة غضب، أو تصرفٍ لم تُعرف أسبابه ولا ظروفه.

﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾؛ سؤالٌ يوقظ في النفس ميزان العدل قبل أن تنطق، ويستدعي رجاحة العقل قبل أن تصدر حكمها على الآخرين. فالحكم على الناس ليس انطباعاً سريعاً، ولا نتيجة روايةٍ أحادية، ولا حقاً تمنحه لنا لحظة استياء.

الإنسان لا يُقرأ من صفحة واحدة، ولا يُوزن بلحظة عابرة؛ إنما يُعرف بتكرار مواقفه، وبأثره في الناس، وبما يغلب على سلوكه عبر الزمن. وقد يخطئ المرء قصداً أو بغير قصد، وقد تضيق به الظروف، أو تخونه العبارة، أو يُفهم على غير مراده. ومن الظلم أن نرفع خطأً واحداً إلى مرتبة الهوية الدائمة، فنقول: هذا سيئ، أو جاحد، أو متكبر.

لكن ذلك لا يعني تبرير الخطأ أو تزيينه؛ فالخطأ خطأ، والمساءلة واجبة حين تستوجبها الحال. غير أن الحكمة تقتضي أن نفرّق بين موقفٍ يُعالج ونمطٍ يُحكم عليه؛ وبين عثرةٍ عابرة وسلوكٍ يتكرر، وبين خبرٍ يُنقل وحقيقةٍ تثبت.

فالميزان العادل لا ترجح كفته بموقفٍ واحد، بل بمحصلته:
إذا تتابعت من الإنسان المواقف الطيبة، وحضر منه الصدق والوفاء وحسن المعاملة، فلا ينبغي أن تهدمها زلّة واحدة. وإذا تكرر منه الإيذاء والتلاعب ونقض العهود، فلا يصح أن تستر حقيقته لحظةٌ جميلة أو اعتذارٌ بلا أثر. فالعبرة بما يغلب، والحكم الرشيد هو الذي ينظر إلى السيرة لا اللقطة، وإلى العادة لا الاستثناء.

إن كثيراً من التفكك الاجتماعي يبدأ من موقفٍ لم يُفهم: كلمةٌ قُطعت من سياقها، ثم تفسيرٌ متعجل، ثم نقلٌ مشوّه، ثم حكمٌ قاسٍ، ثم قطيعةٌ لا يعرف أطرافها كيف بدأت. وهكذا تتباعد الأرواح، وتبرد العلاقات، ويكثر الغرباء حتى بين الأقارب والأصدقاء وزملاء العمل.

ولذلك، قبل أن تحكم على أحد، اسأل نفسك: هل عرفت الأمر من صاحبه، أم من حديث غيره؟ هل فهمت الظروف، أم اكتفيت بالظاهر؟ وهل ما رأيته منه حالة عارضة، أم خُلُقاً يتكرر؟ ثم: هل منحتَه فرصةً عادلة للتوضيح والمراجعة؟

هذه ليست أسئلة ترفٍ أخلاقي، بل هي صمام أمان للعلاقات. وهي التي تحفظ الود، وتُكثر الأصدقاء، وتمنع المواقف الصغيرة من أن تتحول إلى خصومات كبيرة.

ولا يكتمل هذا الميزان إلا بالشفافية والمصارحة؛ فالمصارحة الصادقة تختصر كثيراً من الظنون، والشفافية تزيل غبار التأويل، والتعزيز الإيجابي يعيد إلى النفس أجمل ما فيها. فإذا رأينا خيراً ذكرناه، وإذا وجدنا خطأً ناقشناه، وإذا بادر إنسان بالإصلاح قدّرنا مبادرته؛ فالناس لا تصلح دائماً بالتوبيخ، وكثيرٌ من القلوب تعود إلى رشدها بكلمة تقدير عادلة.

لا تكن قاضياً في محكمة الانطباع، ولا تجعل من السماع حكماً، ولا من الزلة تاريخاً كاملاً. صف الفعل كما هو، وافهم سياقه، ثم انظر إلى رصيد الإنسان من المواقف؛ فهناك فقط تستقيم كفة الميزان، ويصبح الحكم عدلاً لا هوى.

فما أكثر الأحكام التي لو تأخرت قليلاً، لانطفأت فتنة، وبقيت صداقة، وسَلِم قلبٌ من وجعٍ لا يستحقه.