الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٧ نوفمبر-٢٠٢٦       4180

بقلم- المحامي مفرح بن عبدالمحسن الفالح
القبيلة نسبٌ يُعتز به، لا سلاحٌ يُتعصّب له، ومفخرةٌ تُصان، لا رايةٌ يُظلم تحتها. وليس من الشرف أن تنصر ابن قبيلتك على باطل، ولا من المروءة أن تنتقص الآخرين اعتزازًا بنسبك؛ فالأنساب لا تمنح أصحابها حصانةً من الخطأ، ولا تجعل الباطل حقًا، ولا ترفع من شأن امرئٍ اتخذ من نسبه وسيلةً للازدراء والاستعلاء.
ولقد كانت القبيلة عبر تاريخ الجزيرة العربية ركيزةً اجتماعيةً أصيلة، حفظت الأنساب، وصانت المروءات، وتوارث أبناؤها مكارم الأخلاق من كرمٍ وشجاعةٍ ووفاءٍ ونجدة. غير أن الاعتزاز بهذا الإرث شيء، وتحويله إلى عصبيةٍ عمياء شيء آخر؛ فالأول فضيلةٌ تحفظ التاريخ، والثاني آفةٌ تفسد الحاضر وتهدد المستقبل.
إن أخطر ما في التعصب القبلي أنه يُلبس الظلم ثوب الوفاء، ويمنح الانحياز اسم النصرة، ويجعل رابطة الدم مقدمةً على ميزان الحق والعدل. فإذا كان المخطئ من القبيلة التُمست له الأعذار، وإذا كان صاحب الحق من غيرها هانت حقوقه، حتى يصبح النسب معيارًا للحقيقة، والقرابة مسوغًا للتجاوز.
وقد جاء الإسلام ليهدم هذه الموازين الجاهلية، ويقيم العلاقات بين الناس على التقوى والعدل، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]. فلم يجعل سبحانه التفاضل بكثرة العدد، ولا بشهرة القبيلة، ولا بعلو النسب، وإنما بالتقوى التي تظهر آثارها في استقامة السلوك وإنصاف الناس.
وحين تنادى رجلان في غزوة، كلٌّ يستنصر بقومه من المهاجرين والأنصار، بعد أن كسع أحدهما الآخر، أنكر النبي ﷺ ذلك أشد الإنكار، وسمّى ذلك الاستنصار بدعوى الجاهلية، وقال: «دعوها فإنها منتنة» (متفق عليه من حديث جابر رضي الله عنه). وكفى بهذا الوصف النبوي زاجرًا لمن ظنّ العصبية فخرًا.
ومن المؤسف أن تتخذ العصبية القبلية في عصرنا أشكالًا جديدة، لا سيما عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث تتحول بعض النقاشات إلى ساحات للمفاخرة المذمومة، وتبادل الإساءات، وإحياء النعرات، وكأن قيمة الإنسان تُقاس باسم قبيلته لا بأخلاقه وأفعاله.
وإذا انتقل هذا التعصب من الأقوال إلى الممارسات، فكان سببًا في المحاباة في الحقوق، أو التمييز في الفرص، أو نصرة المعتدي على المعتدى عليه، فإننا لا نكون أمام مجرد اعتزاز اجتماعي، بل أمام سلوكٍ يناقض مبادئ العدل ويقوّض الثقة بين أفراد المجتمع.
ولم يترك المنظم السعودي حماية الوحدة الوطنية لمجرد الوعظ الاجتماعي، بل قررها مبدأً أصيلًا في النظام الأساسي للحكم. فقد نصت المادة الثانية عشرة منه على أن: «تعزيز الوحدة الوطنية واجب، وتمنع الدولة كل ما يؤدي للفرقة والفتنة والانقسام»، وقررت المادة الثامنة أن الحكم في المملكة يقوم على أساس العدل والشورى والمساواة، وفق الشريعة الإسلامية. ومؤدى النصين أن العدل لا يخضع لاعتبارات النسب والانتماء، وأن ما يثير الفرقة بين أبناء الوطن يتعارض مع المقاصد التي قررها النظام الأساسي للحكم.
وليس هذا المبدأ حبيس النصوص العامة؛ ففي الجانب العملي، نصت المادة السادسة من نظام مكافحة جرائم المعلوماتية على عقوبة السجن مدة لا تزيد على خمس سنوات وبغرامة لا تزيد على ثلاثة ملايين ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين، على كل من أنتج ما من شأنه المساس بالنظام العام أو القيم الدينية أو الآداب العامة، أو أعدّه أو أرسله أو خزّنه عن طريق الشبكة المعلوماتية. وما يُنشر عبر المنصات مما يؤجج العصبيات ويشعل الفتنة بين أبناء المجتمع قد يدخل في هذا الوصف بحسب وقائعه، فلا يكسب صاحبه مشروعيةً لمجرد أنه صدر انتصارًا للقبيلة.
والمملكة العربية السعودية، التي وحّد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -رحمه الله- أرجاءها تحت راية التوحيد، قامت على جمع الكلمة بعد الفرقة، وترسيخ الأمن بعد الاضطراب، وإقامة دولةٍ يكون الانتماء إليها جامعًا لأبنائها على اختلاف قبائلهم ومناطقهم. وقد أصبحت هذه الوحدة، في ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله-، أساسًا راسخًا لمسيرة البناء والتنمية، ومسؤوليةً وطنيةً تستوجب من الجميع صيانتها من كل خطابٍ يثير النعرات أو يغذي الانقسام.
وليس المطلوب أن يتخلى الإنسان عن قبيلته، بل أن يتخلى عن التعصب لها؛ وأن يعتز بأصله دون أن يحتقر أصول الآخرين، وأن ينصر قريبه على الحق، ويمنعه من الظلم، وأن يدرك أن شرف القبيلة يُصان بعدل أبنائها، لا بتبرير أخطائهم. وهذا عين ما أرشد إليه النبي ﷺ بقوله: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا» (رواه البخاري من حديث أنس رضي الله عنه)، حين بيّن أن نصرة الظالم تكون بمنعه من الظلم.
إن القبائل العريقة لا تحتاج إلى الانتقاص من غيرها لإثبات مكانتها، ولا إلى إثارة العصبيات لتأكيد حضورها؛ فالمجد الحقيقي تصنعه المواقف، وتحفظه الأخلاق، ويخلّده العدل.
وختامًا، فإن التعصب القبلي لا يرفع شأن قبيلة، بل يسيء إلى تاريخها، ولا يحفظ كرامة أبنائها، بل يضعف قيمة ما ورثوه من مكارم الأخلاق.
فالقبيلة موطن اعتزاز، والوطن مظلة الجميع، والعدل فوق العصبية، ولا كرامة لنسبٍ يُتخذ ذريعةً للظلم، ولا فخر بانتماءٍ يُبنى على انتقاص الآخرين.
ومن ظن أن رفعة قبيلته تكون بالحطّ من قدر غيرها، فقد أساء إلى قبيلته قبل أن يسيء إلى الآخرين.