الكاتب : د. خالد فهد عبدالله الغنيم
التاريخ: ١٩ اكتوبر-٢٠٢٣       42020

بقلم : د. خالد بن فهد بن عبد الله الغنيم

فلسفة التعاطف القصري هي مفهوم فلسفي يرتبط بالقدرة على التعاطف والاهتمام بالآخرين ومشاعرهم الداخلية ومعاناتهم. ويعتبر قيمة إنسانية أساسية، حيث يعكس تفهمنا واحترامنا للآخرين وقدرتنا على التعايش السلمي وبناء علاقات إيجابية. ومع ذلك، يمكن استغلال فلسفة التعاطف القصري من قبل الجماعات المتطرفة لأغراض سيئة.

يندرج تجاوز فلسفة التعاطف القصري تحت تصور منحرف للتعاون الاجتماعي. فمن خلال استغلال مشاعر العواطف لدى الأفراد، يمكن للجماعات المتطرفة الإشعار بنمو مؤيديها وتأثيرهم على القرارات السياسية والاجتماعية. بدلاً من استخدام التعاطف لنشر الخير وخدمة المجتمع، قد يتم استغلاله في إرباك النظام القائم وإثارة النعرات العنصرية والتحريض على العنف.

التلاعب بالعواطف ميزة رئيسية للاستغلال من قبل الجماعات المتطرفة. يمكنهم استغلال الفقر والحاجة والانعزال الاجتماعي للأفراد لجذبهم نحو أفكارهم المتطرفة. على سبيل المثال، يمكن للجماعات المتطرفة أن تستغل الشباب أو المضطربين عاطفياً وتقديم لهم وعودًا كاذبة بالأمان والانتماء والاتجاه الصحيح في الحياة. ومع مرور الوقت، يتم تحويل هذه الأفكار الأصلية إلى أفكار متطرفة تدعو للعنف والكراهية.

تعزيز الخلاف وتكوين فرق بين الأفراد يعد أحد استراتيجيات الجماعات المتطرفة في استغلال فلسفة التعاطف القصري. تجعل هذه الجماعات العالم يبدو أكثر تعقيداً مما هو عليه في الواقع وتسعى إلى إحداث تصادمات على أساس الجنس أو العرق أو الدين أو الطبقات الاجتماعية. ببساطة، يهدفون إلى خلق توتر وصراع ثقافي واجتماعي يمكن أن يؤدي إلى تعزيز ميل الأفراد نحو الانتماء إلى جماعاتهم المتطرفة وتبرير أعمالهم العنيفة.

تعتبر القضايا السياسية والاجتماعية من المواضيع الحساسة التي تشغل الرأي العام في معظم الدول. وفي ظل ثقافة التعاطف المتزايدة التي تعم المجتمعات المعاصرة، يستغل أصحاب الفكر المتطرف والمخالف لتوجهات الوطن هذه الظاهرة لتعزيز أجنداتهم وخطابهم السياسي. ويتم استغلال التعاطف القصري عن طريق توظيف الأحداث السلبية أو الحالات الفردية المؤثرة لتحقيق أهداف سياسية أو اجتماعية معينة.

التعاطف القصري هو ظاهرة نفسية تعبر عن الشعور بآلام الآخرين أو انتماءهم الاجتماعي أو الديني أو الثقافي، وغالبًا ما ينشأ في سياق تغطية إعلامية أو حالات شخصية تستحوذ على انتباه الرأي العام. وتعد وسائل التواصل الاجتماعية محفزًا أساسيًا لتحفيز هذه الظاهرة، حيث يمكن للأفراد التفاعل مع الأحداث والأفكار في الوقت الفعلي ومشاركة آرائهم ومشاعرهم الشخصية بسهولة وسرعة.

يستغل أصحاب الفكر المتطرف والمخالف لتوجهات الوطن هذا التعاطف القصري ويستخدمونه لتجنيد أنصار، إطلاق أجنداتهم السياسية أو الدينية، وإبراز الاعتداء على مجتمعاتهم. ويستهدفون الرغبة البشرية الطبيعية في تعاطف الآخرين والتآزر معهم، وعندما يبثون صورًا للضحايا وروايات مرعبة عن الظلم والاستبداد الذي يتعرضون له، يحاولون جذب انتباه الناس واستدراك تعاطفهم عن طريق ترويج أفكارهم المتطرفة.

من الأمثلة على ذلك، استخدام الإعلام المتطرف لمشاهد صادمة أو حالات فردية مروعة لتبرير أعمال العنف والإرهاب. حيث يتم تسليط الضوء على التمييز والظلم الذي تعاني منه بعض الفئات في المجتمع، مما يشجع على انتقاد النظام السياسي القائم وتشجيع العنف كوسيلة للتغيير. إضافة إلى ذلك، يرتبط التعاطف القصري في بعض الأحيان مع التركيز على المشاكل الاجتماعية الوجودية والاقتصادية، وهو ما يعزّز المشاعر السلبية بين الفئات المنحرفة.

على الرغم من أن التعاطف القصري له جوانب إيجابية، مثل تعزيز التعاون الاجتماعي وتشجيع المساعدة والرحمة، إلا أن استغلاله لأجندات متطرفة يشكل خطرًا على الاستقرار السياسي والأمن العام. فالأفراد الذين يتأثرون بالتعاطف القصري قد يصبحون عرضة للهجرة إلى التطرف أو التعاون مع الجماعات العنيفة. بالإضافة إلى ذلك، فإن الترويج لأفكار متطرفة واستدراج الأفراد إلى العنف يمكن أن يؤدي إلى العنف والحروب.

ومن امثلة استغلال أصحاب الفكر المتطرف للتعاطف القصري مقاطعة الشركات الوطنية ومنتجاتها في حال اعتبروها مخالفة لتوجهات الوطن أو غير ملائمة لما يؤمنون به. تقوم هذه الاستراتيجية على استخدام العواطف والانتماءات القومية والوطنية كوسيلة لتحقيق أهداف سياسية أو اجتماعية.

إن التعاطف القومي والوطني هو احساس شائع للمواطنين تجاه وطنهم وشعور بالانتماء والولاء الوطني. ويعتبر هذا الشعور المشترك أحد الأسس للهوية الوطنية، ويعد الجزء الأساسي للحفاظ على الوحدة والاستقرار الاجتماعي بين الناس. لكن عندما يستغل هؤلاء هذا التعاطف القومي بطرق سلبية من خلال تغليب الانتماء الفكري على الانتماء الوطني.، فذلك يؤثر سلبًا على المجتمعات والاقتصادات المحلية.
يستخدم هؤلاء هذا التعاطف القومي بطرق مبطنة أو صريحة لتشجيع المواطنين على مقاطعة الشركات الوطنية ومنتجاتها التي تعتبرها غير ملائمة أو مخالفة لمبادئهم الوطنية. يمكن أن يُظهر الأفراد المتطرفون أن هذه المقاطعة هي أداة للتعبير عن التضحية لأجل الوطن أو قضية معينة، وأنها تعبر عن رفضهم للشركات التي يرونها تخدم أجندات غير قومية او دينية.

قد يحث هؤلاء المتطرفين المستهلكين على عدم شراء منتجات الشركات الوطنية بحجة أن هذه الشركات تعتبر محاولة للسيطرة الاقتصادية الأجنبية على البلاد ودعم لبلاد معتدية، وبالتالي فهي تحط من الكرامة الوطنية. وفي حالة تجاهل الشعور بالتعاطف الوطني، تصبح هذه المقاطعة فرصةً للمستهلكين للتعبير عن معارضتهم للتوجهات الاقتصادية أو الاجتماعية المعترف بها رسمياً.

على الرغم من أن التعاطف الوطني يعتبر قيمة مهمة، يجب أن نكون حذرين من استغلاله بطرق سلبية. إن ترويج المقاطعة القصرية للشركات الوطنية قد يؤدي إلى آثار سلبية على المجتمعات والاقتصادات 

إن استخدام التعاطف القصري في مقاطعة الشركات الوطنية يؤدي إلى ترويج الانقسام في المجتمع وتعزيز الفجوات الاجتماعية. فعندما يتم الترويج لأفكار متطرفة وانحيازيات قائمة على العواطف والانتماء الفكري بدلاً من الحقائق والمعرفة والانتماء الوطني، يؤدي ذلك إلى تدمير الحوار البناء وفتح الباب أمام الكراهية والعنصرية والتمييز. وبالتالي، يؤثر هذا النهج على تعزيز التضامن الاجتماعي وسلامة المجتمع.