بقلم-تركي عبدالرحمن البلادي
في عالم تتسارع فيه الأزمات وتتداخل فيه المصالح، لم تعد التحالفات السياسية والعسكرية مجرد اتفاقيات تُوقّع أو بيانات تُصدر، بل أصبحت قيمتها الحقيقية تقاس عندما يتعرض أحد أطرافها للتهديد وما تشهده المنطقة في هذه الأيام يعيد إلى الواجهة سؤالًا مهمًا: كيف تتحول الشراكات والتحالفات من التفاهم السياسي إلى موقف عملي يحمي الأمن والاستقرار؟
المملكة العربية السعودية تواجه اليوم تحديات أمنية لا تتوقف آثارها عند حدودها الجغرافية. فاستهداف المدن والمنشآت المدنية، وتهديد الممرات البحرية والطاقة وحركة التجارة، يعني أن القضية تتجاوز أمن دولة واحدة لتلامس مصالح دول عديدة وقد شهدت الأيام الأخيرة اعتراض تهديدات صاروخية ومسيّرات استهدفت مناطق في المملكة، في تطور يعيد التأكيد على خطورة اتساع دائرة التوتر الإقليمي.
هنا يأتي الاختبار الحقيقي للتحالفات. فالدولة التي تقف في قلب الاقتصاد العالمي وتمثل ثقلًا سياسيًا واقتصاديًا كبيرًا لا يمكن النظر إلى أمنها باعتباره شأنًا محليًا استقرار السعودية يرتبط بأمن الطاقة والملاحة وسلاسل الإمداد، وأي اضطراب واسع فيها ستكون له انعكاسات تتجاوز المنطقة إلى الاقتصاد الدولي بأكمله.
لكن التحالفات لا تُختبر بالكلمات وحدها. فتردد بعض الدول، أو التزامها الصمت، أو اتخاذها مواقف رمادية عندما يتعرض أمن المملكة للتهديد، لن يكون بلا أثر في حسابات العلاقات المستقبلية فالمواقف في أوقات الأزمات تُسجل، والشراكات الحقيقية تُعرف عند الشدائد، ومن يتأخر عن الوقوف مع حليفه في لحظة الخطر قد يجد أن موقفه اليوم يُعاد تقييمه غدًا وفق منطق المصالح والندية والاحترام المتبادل والسياسة، بطبيعتها، تحفظ من وقف عند الاختبار، كما تحفظ من اختار الصمت أو التردد.
ومن هنا فإن المرحلة الحالية تفرض مفهومًا أكثر جدية للتحالفات، يقوم على المصالح المتبادلة والالتزامات الواضحة، لا على المجاملات السياسية فالدول التي ترتبط مع المملكة بعلاقات استراتيجية واسعة يفترض أن تدرك أن أمن السعودية جزء من منظومة الاستقرار الإقليمي والدولي، وأن الوقوف أمام التهديدات ليس خدمة لدولة بعينها، بل دفاع عن مصالح مشتركة تمس الجميع.
وقوة أي تحالف لا تقاس بعدد أعضائه ولا بجمال صياغة بياناته، وإنما بقدرته على منع الاعتداء قبل وقوعه، ورفع كلفة التهديد، وردع من يفكر في زعزعة الأمن وهذا يتطلب تبادلًا سريعًا للمعلومات الاستخباراتية، وتكاملًا في أنظمة الدفاع الجوي، وتعاونًا في الصناعات العسكرية، وتنسيقًا سياسيًا قادرًا على التعامل مع الأزمات قبل تحولها إلى صراعات مفتوحة.
وفي المقابل، تواصل المملكة الجمع بين تعزيز قدراتها الدفاعية والعمل الدبلوماسي، انطلاقًا من إدراك أن القوة والاتزان لا يتعارضان، وأن حماية السيادة لا تلغي السعي إلى خفض التصعيد وحماية استقرار المنطقة.
إن المرحلة الحالية ليست اختبارًا للسعودية بقدر ما هي اختبار لمفهوم التحالف نفسه. فحين يصبح الأمن مهددًا، تنتهي مرحلة المجاملات السياسية وتبدأ مرحلة المسؤولية المشتركة.
أمن السعودية ليس ملفًا سعوديًا فحسب، بل ركيزة من ركائز استقرار المنطقة، ومن هنا تبدأ القيمة الحقيقية لأي تحالف.