بقلم ـ ياسين سالم
في الوقت الذي تستقبل فيه مطاراتنا المدنية ومنشآتنا مسيّرات وصواريخ الحوثي، تستقبل منصاتنا رواياته. وفي زمن تُصنع فيه الروايات قبل أن تُصنع المعارك، لم يعد الصمت حياداً، ولا التقليل من النشر حكمة، ولا التردد في الرد على المعلومة الخاطئة ترفعاً، بل أصبح كل ذلك نوعاً من التفريط. الأعداء لا يكتفون بالسلاح على الأرض، يغرقون الشبكة بكل ما يملكون من كذب وتضخيم وتحريف، فيصنعون بذلك خوارزميات تميل إليهم كلما بحث الباحث عن الحقيقة. وفي المقابل، يكتفي بعض أهل الحق بنشر قليل وردود أندر، ويتركون الساحة مفتوحة لمن يريد تشويه صورة المملكة وواقعها.
الرد على الادعاءات لا يقتصر على قضية واحدة، ولا يبدأ من ملف معين. المملكة تواجه يومياً محاولات تشويه في ملفات متعددة من أبرزها: اقتصادها، سياساتها الخارجية، مكانتها الإقليمية، حقوق مواطنيها، أو أي موقف تتخذه. كل ادعاء كاذب أو مبالغ فيه، مهما بدا صغيراً أو بعيداً، يستحق الرد بالحقيقة والدليل، لا بالصمت ولا بالتهويل. المادة الرابعة والثلاثون من النظام الأساسي للحكم تُلزم كل مواطن بالدفاع عن الوطن، وهذا الدفاع يبدأ بالكلمة الدقيقة قبل أن يصل إلى أي ساحة أخرى. من يبخل بالرد على معلومة خاطئة، أو يكتفي بالنشر القليل، يترك فراغاً يملأه غيره بالباطل.
غير أن الخطأ لا يأتي من الخارج وحده، هناك من يقول، حين يرى سعودياً يصحح معلومة أو يرد على ادعاء: "الدولة موجودة وتعرف ترد، ولست بحاجة إليك". وهناك من يضيف: "البيانات الرسمية تكفي". هذه العبارات، مهما حسنت نيتها، خطأ كبير. الدولة تتكون من مواطنيها، والواجب الوطني لا يسقط عن أحد بحجة أن هناك جهات رسمية تتولى الأمر. انظر إلى التفاعل في كل المنصات الرسمية بالعالم، لا في السعودية فحسب، لن تجد أي تفاعل حقيقي يغطّي الخوارزميات لولا وجود المدونين والناشطين الذين ينقلون البيان ويتحدثون عنه ويوسّعون دائرته. البيانات الرسمية ترد على حوادث معينة دون تفصيل في الغالب، بينما المدون والناشط يرد على كل ملحوظة في نشر الأعداء، ويسد كل ثغرة، ولا يترك مجالاً للعموميات والتأويل أو أي مبرر لتسويق سردية جديدة.
من يصحح لشخص سعودي أو يمنعه من نشر ما قد يضر، هو يؤدي واجبه. أما من يوبخه ويضعف عزيمته بحجة أن "الدولة تعرف" أو أن "البيانات تكفي"، فإنه يساهم، دون أن يدري، في إفراغ الساحة. التصحيح يجب أن يكون واضحاً وحاسماً، لكن دون تجريح يثبط الهمة. الهدف ليس إسكات الناس، بل تمكينهم من قول الحق بثقة.
وهنا يأتي دور منصات التواصل. فالمواطن ليس دبلوماسياً يجلس على طاولة مفاوضات، ولا عسكرياً يحمل السلاح في الميدان. ما يملكه هو الكلمة، وهي الأداة التي يكفلها له النظام ليطبق بها المادة الرابعة والثلاثين. منصات التواصل ليست ترفاً، بل هي امتداد طبيعي لممارسة المواطن لحقه وواجبه النظامي في الدفاع عن وطنه في كل قضية، والشأن اليمني أقرب مثال على أهمية هذا الحضور. كل منشور دقيق، وكل رد موثق، وكل تصحيح هادئ على أي ادعاء، هو ممارسة لهذا الحق النظامي.
الأعداء يدركون أن الخوارزميات تُبنى مما يُنشر بكثرة ويُعاد نشره ويُربط ببعضه. وتقارير دولية متعددة في الرصد الرقمي أشارت إلى أن النسبة الأكبر من المحتوى المتداول عن اليمن في بعض المنصات مصدره حسابات تكرر نفس الادعاءات بلا دليل، مما يجعله يتصدر نتائج البحث. لذلك يغرقون المنصات بالاتهامات المكررة في كل الملفات. الرد الفعّال ليس الصراخ، هو نشر الدليل الواضح، الرقم الموثق، البيان الرسمي، والتقرير المستقل الذي يفضح التناقض. كل رد بيّن على ادعاء كاذب، وكل نشر لواقعة موثقة، وكل تصحيح هادئ لمعلومة خاطئة، يضيف وزناً في ميزان البحث، ويجعل الباحث عن الحقيقة أقرب إلى الوصول إليها.
وأقرب مثال على ذلك هو الشأن الدائر الآن في اليمن. الحوثيون يشنون هجمات صاروخية ومسيّرة على مطارات مدنية ومنشآت طاقة سعودية، ويستهدفون مدنيين، ويهددون ممرات الملاحة. التحالف والحكومة الشرعية يردان بعمليات تستهدف مخازن الأسلحة ومنصات الإطلاق والقدرات العسكرية، لا بنية تحتية مدنية عشوائية. هذه ليست مزاعم، هي بيانات رسمية وتقارير ميدانية. من يتهم السعودية بالعدوان أو يختزل الحرب في "قصف جوي بلا هدف" يتجاهل أن التصعيد بدأ من الطرف الذي يسيطر على الأرض ويطلق النار من عمقها باتجاه الجار. الرد بالحقيقة هنا ليس انتصاراً لطرف على حساب آخر، هو تصحيح لما يُنشر عمدًا أو جهلاً، وهو امتداد للواجب نفسه الذي ينطبق على أي ادعاء آخر. والمدوّن الذي يتابع كل ملحوظة في هذا الشأن ويسد الثغرات، هو من يجعل البيان الرسمي يصل ويُفهم ويُدافع عنه، لا من يكتفي بنشره مرة واحدة.
لا نطلب من أحد أن يكذب أو يبالغ لينتصر. نطلب أن يرد بالحقيقة في كل شأن، وأن لا يبخل بالرد حين يرى كذبة تنتشر، وأن لا يكتفي بالنشر القليل.
قوة المملكة في صدق روايتها، بينما الآخرون يشترون الأصوات لتزوير الحقيقة وصناعة رواياتهم، أما نحن فصدق روايتنا يحميه أبناؤها الذين لا ينتظرون مقابلاً ليدافعوا عن وطنهم ويرفضون أن تُترك الشبكة لمن يزوّرها، لأن معركة الخوارزميات لا تُحسم بالروايات المصنوعة، بل بتراكم أصوات المواطنين التي ترفض تزويرها.
إغراق المنصات بكلمة الحق، بالدليل والحجة والبراهين، ليس خياراً دعائياً، هو جزء من الدفاع عن الوطن. ومن يرى أن الدولة وحدها كافية أو أن البيانات الرسمية تغني عن الجميع، فليتذكر أن الدولة تتكون من مواطنيها، وأن كل صوت صحيح يُضاف إلى الساحة يجعل مهمة الأعداء أصعب، وأن الخوارزميات لا تُغطى بالبيانات وحدها.
السكوت في زمن التشويه ليس حكمة، هو فراغ يملأه غيرك. والتصحيح بالحقيقة، دون تجريح ودون تهويل، هو الواجب الذي لا يسقط عن أحد.