بقلم- عبدالمحسن محمد الحارثي
ليست المدينة الصحية شعارًا يُرفع، ولا هويةً بصرية تُدشّن، ولا برومو يُعرض ثم تنتهي المناسبة؛ بل مشروع إنسان، ومنظومة حياة، واستحقاق يُبنى على الأرض قبل أن يُعلّق على الجدران.
ومن هنا ؛ فإن الحراك الذي تشهده محافظة ميسان نحو «ميسان المدينة الصحية» يستحق أن يُقرأ بوصفه مشروع تحول، لا مجرد فعالية. فالمقصود ليس تجميل الصورة، بل تحسين الحياة ، وليس صناعة حضور إعلامي، بل بناء واقع صحي وبيئي واجتماعي يلمسه الإنسان في يومه.
وقد جاء تشكيل اللجنة العليا برئاسة محافظ ميسان الأستاذ محمد مسعد الحكمي ليضع المشروع في إطاره المؤسسي، بمشاركة جهات حكومية وتنموية وخدمية ومجتمعية، وفي مقدمتها هيئة تطوير منطقة مكة المكرمة، بما تمثله من دور مهم في التخطيط والتكامل وربط المبادرات بالأهداف التنموية الأشمل.
وهنا تكمن قوة المشروع:
قيادة واضحة، وشركاء متعددون، وهدف واحد: الإنسان.
ولعل ما يرفع سقف المسؤولية أن اعتماد «المدينة الصحية» لا يُمنح بالرغبة، ولا يتحقق بالشعارات؛ بل يتطلب استيفاء 80 معيارًا دوليًا موزعة على تسعة محاور رئيسة.
وهذه الثمانون ليست أرقامًا جامدة، بل خارطة طريق إلى الاستحقاق.
فمن أبرز ما تمسه مباشرة: تمكين المجتمع، وتكامل القطاعات، وبناء قاعدة معلومات دقيقة، وتحسين النظافة والتشجير والبيئة الحضرية، وضمان المياه الآمنة والسلامة الغذائية، والحد من التلوث والتدخين، ورفع جودة الخدمات الصحية، وتفعيل الصحة المدرسية، والاستعداد للطوارئ، وتنمية المهارات ودعم المشروعات الصغيرة.
والقيمة هنا ليست في استيفاء بندٍ على الورق، بل في أن يتحول كل معيار إلى أثرٍ مرئي في حياة الناس.
فالمدينة الصحية تُرى في شارعٍ أنظف، ومدرسةٍ أكثر وعيًا، ومرفقٍ أفضل، وهواءٍ أنقى، وغذاءٍ أكثر أمانًا، وممرٍ صالح للمشي، ومجتمع يعرف أن الصحة مسؤولية مشتركة، لا مهمة جهة واحدة.
ومن هذا المنطلق ؛ فإن الهوية البصرية التي جرى تدشينها تحمل معنى أكبر من الشكل؛ فهي عنوان المشروع، وذاكرته، ورسالة موحدة تجمع الناس حوله.
أما البرومو التعريفي، فهو النافذة التي تقول للمجتمع: إن الصحة ليست مستشفى ودواء فقط، بل أسلوب حياة يبدأ من الأسرة، ويمتد إلى المدرسة والحي والطريق والبيئة والمرفق العام.
لكن الجمال الحقيقي يبدأ بعد التدشين.
فالهوية تحتاج إلى واقع يثبتها، والبرومو إلى ميدان يصدقه، والخطة إلى مؤشرات تكشف أثرها.
وميسان تملك من المقومات ما يؤهلها لهذا المسار؛ طبيعة جميلة، وبيئة جبلية مميزة، ومجتمع مترابط، وإرث مكاني وثقافي، وفرص واعدة في السياحة البيئية والصحية والزراعية.
غير أن المقومات وحدها لا تكفي.
فالطبيعة تمنح الفرصة، والتخطيط يحسن استثمارها، والعمل يحولها إلى إنجاز.
ولهذا .. فإن نجاح «ميسان الصحية» لن يكون مسؤولية اللجنة العليا وحدها، ولا المحافظة وحدها، ولا هيئة التطوير وحدها؛ بل مسؤولية مشتركة بين الصحة والتعليم والبلدية والقطاع الخاص والجمعيات والمتطوعين والأسر والشباب.
فالمدينة الصحية لا تصنعها جهة؛ يصنعها مجتمع كامل حين تتحول الفكرة عنده إلى سلوك.
ومن الجميل أن يصبح الرقم 80 حاضرًا في الوعي المجتمعي:
ثمانون معيارًا.. نحو ميسان أكثر صحة، وأجمل بيئة، وأعلى جودةً للحياة.
ويمكن أن تتحول هذه المعايير إلى لوحة أداء واضحة: لكل معيار مسؤول، ولكل مسؤول مؤشر، ولكل مؤشر نسبة إنجاز.
فما يُقاس يُنجز، وما يُتابع يتحسن.
إن ما تشهده ميسان اليوم بداية واعدة: لجنة عليا، وشركاء، وخطة عمل، وهوية بصرية، وبرومو تعريفي، وحراك يتسع.
لكن الطموح الأجمل أن يأتي اليوم الذي لا يُقال فيه فقط إن ميسان حصلت على لقب «مدينة صحية»، بل يقال:
إنها استحقت اللقب لأن أثره ظهر في حياة أهلها.
فالألقاب تُمنح، أما جودة الحياة فتُبنى.
وميسان اليوم لا تسعى إلى لقبٍ يُعلّق، بل إلى استحقاقٍ يُعاش.
وحين يلتقي التخطيط بالعمل، والجهات بالمجتمع، فإن المعايير الثمانين لن تكون عبئًا في الطريق؛ بل ثمانين شاهدًا على أن ميسان صنعت مدينتها الصحية كما ينبغي أن تكون.