الكاتب : النهار
التاريخ: ١٥ اكتوبر-٢٠٢٦       4455

بقلم : د. علي بن عالي السعدوني

ليست قوة القصيدة الوطنية في ارتفاع صوتها أو كثرة مفردات الفخر والحماسة، وإنما في قدرتها على بناء موقف مقنع يجعل القارئ يفهم المعنى قبل أن ينفعل به، وهذا ما يمكن ملاحظته في قصيدة الأمير عبدالرحمن بن مساعد التي جاءت محمّلة برسائل سياسية ودينية وتاريخية، فقد أراد الشاعر أن يقدم صورة للمملكة العربية السعودية لا تقوم على الاعتزاز بقوتها وحدها، وإنما على فهم طبيعة هذه القوة وعلاقتها بالحكمة والصبر والقدرة على مواجهة التهديدات، وهو تصور يجعل القصيدة أقرب إلى خطاب حجاجي يسعى إلى توجيه القناعة وتفسير المواقف منه إلى قصيدة تكتفي بإعلان الانتماء الوطني.

يبدأ الشاعر بقوله: (يتآمرون وربك الجبارُ.. ولسوف يكفي دارنا القهارُ) وهو استهلال يحمل بناءً حجاجيًا واضحًا، إذ يضع فعل التآمر في مواجهة القدرة الإلهية، ويجعل المتلقي ينتقل مباشرة من صورة الخطر إلى معنى الطمأنينة، فالفعل المضارع (يتآمرون) يصور التهديد بوصفه فعلًا متجددًا لا يرتبط بلحظة عابرة، بينما تأتي عبارة (ولسوف يكفي) لتؤسس يقينًا إيمانيًا بالمستقبل، وقد اختار الشاعر أن يبدأ بهذه المرجعية قبل الحديث عن إمكانات الدولة؛ لأن الخطاب الموجه إلى وجدان المجتمع السعودي يكتسب أثرًا معنويًا من استحضار العلاقة بالدين مع بقاء هذا اليقين الشعري مختلفًا عن البرهنة السياسية التي تتطلب شواهد وأسبابًا مستقلة.

ثم يستدعي الشاعر غزوة الخندق وتكالب الأحزاب، ولا يستحضر التاريخ بوصفه حكاية انتهى زمانها، وإنما يجعله شاهدًا على أن كثرة المتحالفين لا تعني بالضرورة قدرتهم على تحقيق أهدافهم، وهذه طريقة حجاجية تقوم على المقارنة بين واقعة تاريخية مستقرة في الذاكرة الإسلامية وواقع معاصر يريد الشاعر تفسيره، فالخندق في هذا السياق ليس اسمًا لمعركة فقط، وإنما رمز للصمود أمام التحالفات غير أن دقة القراءة تقتضي التمييز بين قوة المثال التاريخي في إثارة الثقة وبين قدرته على إثبات النتائج؛ لأن تشابه بعض ملامح الأحداث لا يعني تطابق أسبابها أو ظروفها، وهو ما يجعل الاستدعاء التاريخي مؤثرًا في الوجدان أكثر من كونه دليلًا كافيًا على ما سيحدث في المستقبل.

وتتضح طبيعة الحجاج في القصيدة من خلال الطريقة التي يرسم بها الشاعر صورتين متقابلتين، صورة الخصم التي تتشكل من مفردات التآمر والخداع والحقد، وصورة الوطن التي تتشكل من الانتماء والوفاء والسخاء والكرامة، وهذا التقابل ليس وصفًا محايدًا للأطراف، وإنما وسيلة إقناعية يراد منها تعزيز موقف الذات الوطنية وإضعاف المصداقية الأخلاقية للخصم، ويظهر ذلك في قوله: (شر الخلائق واسمهم أنصار)، إذ تقوم العبارة على المفارقة بين الاسم الذي يحمل معنى النصرة وبين السلوك الذي ينسبه الشاعر إلى أصحابه، فيصبح الاسم نفسه موضوعًا للمساءلة، وتتحول المفارقة من أسلوب بلاغي إلى حجة تتعلق بصدق الشعارات ومدى مطابقتها للأفعال، وهي حجة تكتسب قوتها الحقيقية متى استند الحكم على السلوك إلى وقائع ثابتة لا إلى الوصف الشعري وحده.

ويصل الشاعر إلى إعلان الهوية الوطنية بقوله: (نحن السعوديون نعشق أرضنا.. وملوكنا الأبرار والأطهار)، وتستحق صيغة (نحن) قراءة متأنية، لأنها تنقل القصيدة من الحديث عن الآخرين إلى التعبير عن الجماعة التي ينتمي إليها الشاعر، فلا يعود الصوت فرديًا يتحدث عن مشاعره الخاصة، وإنما يقدم نفسه لسانًا لوجدان وطني مشترك، كما أن اختياره كلمة (نعشق) بدلًا من (نحب) يرفع مستوى الارتباط بالأرض من علاقة عاطفية مألوفة إلى شعور عميق بالانتماء، ثم يربط الأرض بالقيادة في بناء لغوي واحد، ليجعل الدفاع عن الوطن مرتبطًا بصورة الجماعة ووحدتها وثقتها بالمؤسسات التي تمثلها.

ومن الأبيات التي تكشف دقة البناء الحجاجي قوله: (أهل السخاء ولا نمنّ ببذلنا.. وإذا ابتلينا سيفنا بتار) ففي هذا البيت لا يقابل الشاعر الكرم بالضعف ولا القوة بالقسوة، وإنما يجمع السخاء والحسم داخل صورة وطنية واحدة، ويجعل استعمال القوة مرتبطًا بالتعرض للابتلاء، وهو ترتيب مهم لأن الشاعر قدم العطاء أولًا ثم أتبعه بالقدرة على الرد، فكأنه يريد إقناع المتلقي بأن القوة لا تتعارض مع الأخلاق، وأن الدولة التي تقدم الخير وتتحمل مسؤولياتها تستطيع في الوقت نفسه الدفاع عن مصالحها وأمنها، وبذلك يكتسب الحديث عن السيف دلالته من السياق الذي ورد فيه، فلا يكون مجرد وسيلة للتهديد، وإنما علامة على امتلاك القدرة عند الحاجة إليها.

أما قوله: (شم الأنوف رؤوسنا مرفوعة.. بيض الأيادي غيثنا مدرار)، فيقدم نموذجًا للحجة التي تصنعها الصورة الشعرية، فالشاعر لم يكتف بإطلاق أحكام مباشرة عن العزة والكرم، وإنما جعل الكرامة في صورة رأس مرفوع وأنف شامخ، وجعل العطاء في صورة يد بيضاء وغيث متدفق، وهذه الصور تستمد تأثيرها من خبرة الإنسان اليومية، لأن ارتفاع الرأس يرتبط في الوعي بالاعتداد بالنفس، والمطر يرتبط بالخير والنماء، فتتحول القيم الوطنية إلى مشاهد يمكن للقارئ تصورها، وتصبح الصورة أقدر على ترسيخ المعنى من التكرار المباشر للصفات، وهو جانب يبين كيف تتحول البلاغة من صناعة التعبير إلى صناعة الاقتناع.

غير أن أكثر ما يستحق الدراسة في القصيدة هو حضور الصبر بوصفه حجة سياسية وأخلاقية، فالشاعر يتدرج في بنائه حتى يصل إلى قوله: (صبر الحليم بنا فحاذر صبرنا.. وارفق بنفسك هل تطاق النار؟!) وفي هذا الموضع تنقلب الدلالة المألوفة للصبر، إذ لا يعود مجرد احتمال للأذى أو امتناع عن الرد، وإنما يتحول إلى علامة على امتلاك القدرة والتحكم في استعمالها، وتكمن دقة التعبير في اجتماع كلمتي (فحاذر) و(صبرنا)، لأن الصبر يرتبط عادة بالحلم والهدوء، بينما يرتبط الحذر بتوقع الخطر، ومن اجتماعهما تنشأ مفارقة تجعل المتلقي يعيد النظر في فهمه للقوة، فليس كل هدوء ضعفًا، وليس كل تأخر في الرد عجزًا، وليس كل اندفاع دليل شجاعة، وإنما تتحدد قيمة القرار بقدرته على تحقيق المصلحة وتجنب العواقب التي لا ضرورة لها.

ويتعمق هذا المعنى في عبارة (وارفق بنفسك)، إذ يقدم الشاعر التحذير في صورة نصيحة موجهة إلى الخصم، ثم يعقبها بسؤال (هل تطاق النار؟) وهو استفهام لا يبحث عن إجابة، وإنما يريد تثبيت معنى العاقبة في ذهن المخاطب، وبذلك ينتقل الخطاب من إثبات قوة الذات إلى محاولة التأثير في حسابات الطرف المقابل، وهذه هي وظيفة الحجاج الردعي الذي يسعى إلى تغيير السلوك من خلال استحضار تكلفة الفعل قبل وقوع نتائجه، وإن كانت فاعلية الردع في الواقع لا تتحقق بقوة العبارة وحدها، وإنما بما يسندها من قدرة ومصداقية وتقدير صحيح للموقف.

وإذا تأملنا حركة القصيدة من بدايتها إلى خاتمتها وجدنا أن الشاعر بدأ بالغائب في (يتآمرون) ثم انتقل إلى ضمير الجماعة في (نحن السعوديون)، وانتهى إلى مخاطبة الخصم مباشرة في (فحاذر صبرنا)، وهذا الانتقال يكشف بناءً متدرجًا يبدأ بتوصيف التهديد، ثم يؤسس صورة الوطن وقيمه، ثم ينتهي إلى التحذير من إساءة تقدير موقفه، وهي حركة تمنح النص تماسكًا حجاجيًا واضحًا، وتجعل نهايته نتيجة لما سبقها لا مجرد بيت حماسي أُريد به إغلاق القصيدة.

ومع ما في النص من حضور قوي للعاطفة الوطنية والأحكام الأخلاقية الحادة على الخصوم، فإن قيمته الحجاجية لا تقوم على هذه الأحكام وحدها، وإنما على الفكرة التي تنتظم أجزاءه وتمنحها قدرًا من الوحدة، وهي أن القوة لا تفقد قيمتها عندما تتأنى في استعمالها، وأن الصبر لا يصبح ضعفًا لمجرد أن الطرف المقابل يسيء فهمه، وأن الحكمة السياسية لا تعني التخلي عن حق الدفاع، وإنما تعني معرفة ما يستدعي القرار ومتى يكون اتخاذه أكثر قدرة على حماية المصالح وتحقيق الأهداف.

لقد استطاع الأمير عبدالرحمن بن مساعد أن يجعل الصبر محورًا تتلاقى عنده الصور الدينية والتاريخية والوطنية، وأن ينقل هذه القيمة من معناها الأخلاقي المألوف إلى معنى يتصل بإدارة القوة وتقدير العواقب، ولذلك فإن أكثر ما يبقى من القصيدة ليس كثرة الأوصاف أو شدة التحذير، وإنما تلك العلاقة الدقيقة التي أقامها بين الحلم والقدرة، وبين الكرم والحسم، وبين الاعتزاز بالوطن والمسؤولية عن أمنه، فالقوة التي تستحق الثقة ليست التي تسارع إلى إثبات نفسها في كل مواجهة، وإنما التي تعرف حدود إمكاناتها وتدرك عواقب قراراتها وتحسن اختيار الوسيلة والوقت، وهذه هي الحجة المركزية التي منحت القصيدة قيمتها، وجعلت من الصبر موقفًا واعيًا لا حالة انتظار، ومن القوة مسؤولية لا مجرد انفعال.