بقلم - حسين القفيلي
في مسيرة الدول الكبرى، لا تُقاس قوة الأمم بسلم الرخاء، بل بقدرتها الفائقة على استخلاص العبر والدروس من قلب المحن والشدائد. ففي أوقات الرخاء، تتسع الدوائر وتكثر الوجوه ويطفو أدعياء الصداقة على السطح، لكن الأزمات وحدها هي الغربال الحقيقي الذي يفصل بين الصديق المخلص والشماتة المبطنة، وبين الحليف الموثوق ومن يتدثر بالخداع ويندس خلف الأقنعة.
لقد شهد التاريخ المعاصر للمملكة العربية السعودية محطات فارقة أثبتت فيها دوماً أنها أمة تُصنع في المعارك وتولد من رحم التحديات. وحين تتطاول الأيدي الآثمة – كالمليشيات الحوثية ومن يقفون خلفها – لاستهداف البنى التحتية والمنشآت المدنية، كما حدث في اعتداءات طالت مطار الملك خالد الدولي وأسفرت عن سقوط شهداء وجرحى مدنيين من جنسيات مختلفة، وقبلها استشهاد قائد طائرة الخطوط السعودية الكابتن حمود بن علي الكلثمي ورفاقه الأبرار، فإننا لا نرى في ذلك سوى فصل جديد من فصول إفلاس المعتدين وعجزهم الميداني.
إن استهداف المدنيين والأعيان الحيوية لن يمر مرور الكرام، بل كتب به المعتدي نهايته بنفسه، غير أن الدرس الأعمق والأشد دلالة يتجاوز ذلك العدو الظاهر والمكشوف؛ فالمشكلة الحقيقية والأكثر خطورة تكمن في أولئك الذين يندسون خلف الأقنعة المزيفة، فيظهرون الود ويبطنون الخذلان أو الشماتة. إن عدواً يواجهك بشرّه المكشوف أهون بكثير من حليف يمنحك التملق في الرخاء وينكفئ عند أول اختبار للحقائق.
اليوم تجاوزت المملكة مرحلة الاكتفاء بالتنديدات والتصريحات الدبلوماسية والشجب الصوري، وأصبح المطلوب والواجب هو المواقف الواضحة والصادقة التي لا تُداهن ولا تجامل. لقد دأبت بلاد الحرمين الشريفين على خوض المعارك دفاعاً عن أمنها واستقرارها وسيادتها ضد جيران السوء على مر التاريخ، وخرجت دائماً من كل أزمة أكثر قوة ومنعة بفضل الله، ثم بحكمة قيادتها الرشيدة ووعي شعبها الرفيع الذي يثبت عند الأزمات والحروب أنه رجل المرحلة وصانع الثبات.
إن الرياض قلب الأمة النابض، ومكة المكرمة قبلة المسلمين، والمنطقة الشرقية شريان الطاقة للعالم بأسره، أكبر وأعلى قامة من أن تنال منها أفعال الحاقدين أو جحود ونكران من حسبناهم أصدقاء. لم تكن المملكة يوماً بحاجة إلى أحد، بل كانت ولا تزال قائمة على قدراتها وإرادتها الذاتية، غير أن الأزمات والشدائد منحتنا ما هو أثمن من أي شيء آخر، وهو انقشاع الغشاوة ومعرفة الحقائق واختبار منابت الرجال والأحلاف. وستستمر بلاد الحرمين في العبور بثبات وأمان نحو المستقبل، ليبقى الوطن صخرة صلبة تتحطم عليها المؤامرات، وشاهداً حياً على أن من يختبر قوة السعودية يكتب حتماً نهايته بيده.