الكاتب : النهار
التاريخ: ١١ اكتوبر-٢٠٢٦       12375

بقلم- تركي عبدالرحمن البلادي 
لم تعد شبكات السكك الحديدية في الدول الحديثة مجرد وسيلة للنقل، بل أصبحت جزءًا من منظومة الأمن الوطني واللوجستي، وعنصرًا أساسيًا في ضمان استمرارية حركة السكان والاقتصاد عند حدوث الأزمات أو تعطل بعض وسائل النقل الأخرى. ومن هنا تبرز أهمية العمل على ربط جميع المدن السعودية الرئيسية بشبكة سكك حديدية متكاملة، تكون خيارًا موازيًا وموثوقًا للنقل الجوي والبري.

المملكة دولة مترامية الأطراف، وتفصل بين مدنها ومناطقها مسافات طويلة، ولذلك يظل الطيران وسيلة رئيسية للتنقل الداخلي. غير أن الاعتماد الكبير على وسيلة واحدة يفرض ضرورة وجود بدائل قادرة على استيعاب الطلب عند حدوث ظروف استثنائية؛ كتعطل بعض المطارات، أو إلغاء الرحلات بسبب الأحوال الجوية، أو الأعطال الفنية، أو الأزمات الإقليمية والدولية التي قد تؤثر في حركة المجال الجوي.

وجود شبكة قطارات واسعة تربط الرياض وجدة والمدينة المنورة ومكة المكرمة والدمام وأبها وجازان وتبوك وحائل ونجران والقصيم وبقية المدن الرئيسية سيمنح المملكة مرونة عالية في إدارة حركة التنقل. فالقطار يستطيع نقل أعداد كبيرة من المسافرين بكفاءة، كما يمكن أن يمثل مسارًا مهمًا لنقل البضائع والإمدادات والاحتياجات الأساسية بين مختلف المناطق.

والتجارب السعودية الحالية أثبتت أن الاستثمار في السكك الحديدية استثمار ناجح وواعد. قطار الحرمين السريع قدم نموذجًا متطورًا في الربط بين مكة المكرمة والمدينة المنورة مرورًا بجدة، كما أن شبكات القطارات التي تربط الرياض بالمنطقة الشرقية والشمال تؤكد امتلاك المملكة خبرة متنامية في هذا القطاع. والتحدي في المرحلة المقبلة هو الانتقال من المشروعات المنفصلة إلى شبكة وطنية مترابطة تغطي أكبر عدد ممكن من المدن.

الأمر كذلك يتوافق مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في تطوير قطاع النقل والخدمات اللوجستية، وتحسين جودة الحياة، ودعم السياحة الداخلية، وخفض الاعتماد على المركبات الخاصة في الرحلات الطويلة. كما أن توسيع شبكة القطارات سيخلق فرصًا اقتصادية حول المحطات، ويدعم نمو المدن المتوسطة، ويرفع كفاءة نقل المنتجات والبضائع بين المناطق.

لكن القيمة الأهم لمثل هذه الشبكة تظهر في أوقات الأزمات. فعندما تتعرض حركة الطيران لأي اضطراب واسع، يجب ألا يجد المسافر نفسه أمام خيار وحيد يتمثل في قيادة السيارة مئات أو آلاف الكيلومترات. وجود القطارات سيمنح الدولة والمواطن والمقيم خيارًا سريعًا وآمنًا ومنظمًا لاستمرار الحركة بين المناطق.

المملكة اليوم تملك الإمكانات المالية والهندسية والبنية التحتية التي تؤهلها لبناء واحدة من أفضل شبكات السكك الحديدية في المنطقة والعالم. وربط المدن السعودية بالقطارات لا ينبغي النظر إليه باعتباره مشروع نقل فقط، بل مشروعًا استراتيجيًا يعزز الأمن اللوجستي، ويضمن استمرارية الحركة، ويرفع جاهزية المملكة للتعامل مع مختلف الظروف.

إن تنوع وسائل النقل قوة للدولة، وكلما تعددت البدائل ازدادت القدرة على مواجهة الأزمات. ولذلك فإن قطارًا يصل الشمال بالجنوب، والشرق بالغرب، ويربط مدن المملكة كافة، هو استثمار في المستقبل وفي أمن الحركة داخل وطن بحجم وطموح المملكة العربية السعودية.