الكاتب :
التاريخ: ٠٤ اكتوبر-٢٠٢٦       4510

بقلم- د. غالب محمد طه
تابعت خلال أيام اليوم الوطني السعودي السادس والتسعين عددًا من فعالياته باهتمام خاص؛ فأنا أعيش في المملكة، وفي حفر الباطن تحديدًا، وأجد نفسي معنيًا بما يجري حولي من فعاليات ثقافية وفكرية واجتماعية. وربما لهذا وجدتني أنجذب بصورة خاصة إلى الفعاليات التي تحمل بعدًا ثقافيًا وفكريًا، وتفتح مساحة للحوار والتأمل.
فالاحتفال ينتهي بانتهاء المناسبة، وقد تبقى الفكرة التي تتركها معنا وقتًا أطول.
وهذا أحد الأسباب التي تجعلني أتابع الحراك الثقافي والفكري في حفر الباطن باهتمام. فأنا مقيم في هذه المحافظة، وأرى أن علاقتنا بالمكان الذي نعيش فيه لا تكتمل بمعرفة أخباره أو متابعة مناسباته العامة فقط، وإنما بالاقتراب من حراكه الثقافي، والتعرف إلى تجاربه وأصواته الجديدة، والإنصات إلى الأسئلة التي تشغله. ولهذا أحاول، ما استطعت، أن أكون قريبًا من مثل هذه اللقاءات، أو على الأقل أن أعرف ما يطرح فيها وما يمكن أن تضيفه إلى النقاش العام.
وقد لفتني، ضمن الفعاليات المصاحبة لليوم الوطني، ما شهدته حفر الباطن من تنوع في البرامج، من الاحتفالات والفعاليات الفنية إلى استحضار التاريخ والتراث، وصولًا إلى اللقاءات التي جعلت من الثقافة والفكر والإعلام موضوعًا للحوار. وهذا التنوع يمنح المناسبة مساحة أوسع، ويصل الحاضر بذاكرة المكان وبالثقافة التي تشكل وعي المجتمع.
ومن بين هذه الفعاليات توقفت عند أمسية «حديث الوطن» التي نظمها مكتب جمعية الأدب والأدباء بمحافظة حفر الباطن، بمشاركة عدد من المثقفين والأدباء والإعلاميين. كنت مستعدًا لحضورها، وكنت أتطلع إلى الاستماع إلى تفاصيل النقاش، لكن الظروف حالت دون ذلك للمرة الثانية.
ولأنني لم أكن حاضرًا، فلا أريد أن أتحدث عن تفاصيل النقاش كما لو أنني عايشته. قرأت ما نشر عن محاوره والمشاركين فيه، ثم سألت صديقي فيصل الأسلمي، الذي كان حاضرًا، عما دار في اللقاء، وخصوصًا ما طرحه الحضور في نهايته.
كان «إعلام المواطن» أحد الموضوعات التي تناولها الدكتور حماد الحربي، فيما تحدث الأستاذ سلمان المشلحي، مدير فرع هيئة الصحفيين السعوديين بحفر الباطن، عن الصحافة الوطنية ودورها في دعم التنمية وإبراز القصص الإيجابية، ومسؤولية الصحفي في المجتمع بعيدًا عن الإثارة والبحث عن السبق على حساب المصداقية.
وكان هذا من الموضوعات التي كنت أتطلع إلى الاستماع إليها مباشرة؛ لأن الحديث عن الصحافة الوطنية في محافظة مثل حفر الباطن يفتح أسئلة تتجاوز المهنة نفسها: كيف يرى الإعلام المحلي المكان الذي يعمل فيه؟ وما القصص التي تستحق أن تُروى؟ وكيف يمكن للصحافة أن تساعد المجتمع على فهم ما يحدث من حوله؟
وكان وجود الأستاذ سلمان ضمن المتحدثين سببًا إضافيًا لرغبتي في الحضور، بحكم متابعتي للمشهد الإعلامي والثقافي في المحافظة، واهتمامي بما يطرح حول مستقبل الإعلام ودوره في المجتمع المحلي.
وفي الجانب الأدبي، تناول الأستاذ والروائي خالد الوهبي الأدب السعودي ودوره في التعبير عن المجتمع وتاريخه وتحولاته. وكان هذا أيضًا من المحاور التي كنت أتمنى الاستماع إليها، خصوصًا أن الحديث عن الأدب من داخل محافظة مثل حفر الباطن يفتح سؤالًا أحب أن أراه حاضرًا: كيف تتحول ذاكرة المكان وتفاصيل الحياة فيه إلى كتابة؟ وماذا يمكن للأدب أن يقول عن مدينة تتغير وتتسع وتتبدل ملامحها مع الزمن؟
ثم جاء الشعر، بمشاركة الشاعر مشعل الثروي وقصيدته الوطنية التي عبّرت عن الاعتزاز بالوطن وقيادته، وتفاعل معها الحضور.
أما إدارة الأمسية، فتولاها الأستاذ ناصر الوسيدي، مدير مكتب الجمعية، وفتح المجال للحوار ومداخلات الحضور. وهذه المساحة تظل مهمة في أي لقاء ثقافي؛ لأن أسئلة الحضور قد تفتح أحيانًا طريقًا لم يكن في البرنامج الأصلي.
ومن بين ما نقله إليّ فيصل عن نهاية الأمسية كان هناك مطلب استوقفني أكثر من غيره: إعادة إحياء وتنشيط أدب الأطفال وروايته.
بقيت هذه الفكرة معي. فحين نتحدث عن الوطن، نتحدث كثيرًا عن الحاضر وما تحقق فيه، وعن التاريخ الذي نعتز به. لكن ماذا عن الطفل الذي سيحمل هذه الحكاية بعدنا؟ ماذا يجد أمامه من قصص وشخصيات وأعمال أدبية تجعله يرى المكان الذي يعيش فيه بلغته وخياله هو؟
أفكر في حفر الباطن تحديدًا. فالمكان الذي نعيش فيه يحمل من الحكايات والتفاصيل اليومية ما يمكن أن يتحول إلى أدب قريب من الطفل؛ حكايات الناس، وذاكرة المكان، وما تغير في المدينة عبر السنوات، وتفاصيل الحياة التي قد تبدو عادية لمن يعيشها، لكنها تصبح مختلفة حين تتحول إلى قصة. ولهذا وجدت في تلك المداخلة شيئًا يستحق أن يبقى بعد انتهاء «حديث الوطن». فإحياء أدب الأطفال يفتح سؤالًا عن العلاقة بين الطفل والكتاب، وبين الطفل ومجتمعه، وعن الحكايات التي نريد أن تصل إلى الجيل القادم من أبناء هذا المكان.
ومن هنا أجد من الإنصاف أن أحيّي الأستاذ ناصر الوسيدي وفريق مكتب جمعية الأدب والأدباء بمحافظة حفر الباطن على ما يبذلونه من جهد في تنشيط الحياة الأدبية والثقافية في المحافظة، وفتح مساحات يلتقي فيها المهتمون بالأدب والإعلام والفكر. ومع استمرار هذه اللقاءات، تتجمع للمحافظة مع الوقت تجارب وأفكار تمنحها صوتًا ثقافيًا خاصًا بها.
أما «حديث الوطن»، فقد فاتتني هذه المرة.
كنت أريد أن أكون هناك، أن أستمع إلى المتحدثين، وأن أشارك بسؤال أو فكرة. لكنني، رغم ذلك، لم أشعر أنني بعيد عنها تمامًا؛ فقد وصلتني من خلال ما قرأت، ومن خلال حديث صديقي، ومن خلال فكرة أدب الأطفال التي بقيت في ذهني بعد أن انتهى اللقاء.
نحن نحتفل بالوطن بطرق كثيرة؛ في الميادين والشوارع والساحات، ونرفع الأعلام ونستعيد الصور والذكريات ونفرح بما تحقق.
وهناك احتفال آخر أكثر هدوءًا: أن نقرأ تاريخ الوطن، ونحفظ ذاكرته، ونستمع إلى أدبائه وشعرائه، ونناقش إعلامه، ونسأل عن مستقبله، ونترك للأفكار فرصة لأن تلتقي وتتطور.
ذلك أيضًا حديث عن الوطن.
وربما يكون أجمل ما يمكن أن نفعله في مناسبة وطنية أن نسأل أنفسنا، بعد أن تهدأ أصوات الاحتفال: ماذا نعرف عن الوطن الذي نعيش فيه؟ وماذا نستطيع أن نضيف إلى قصته؟
قد تفوتني أمسية، كما فاتتني «حديث الوطن» هذه المرة، لكنني لا أريد أن تفوتني الحكاية.
فأنا لا أعيش في مكان أريد أن أعرف أخباره فقط، وإنما في مكان أريد أن أكون جزءًا من قصته.