الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٤ اكتوبر-٢٠٢٦       3575

بقلم : الدكتورة إيمان حماد الحماد : بِنتُ النُّور

في يومِ المعلّمِ تتزيّنُ الصّباحات، وتتعطّرُ السّاحات، وتقفُ الحروفُ صفوفًا كأنّها في طابورِ الصّباح، تؤدّي التّحيّةَ لمن علّموها كيف تُنطَق، وكيف تُكتَب، وكيف تُحَبّ.

فما أكرمَ هذا اليومَ مِن يوم، تُرَدُّ فيه الأماناتُ إلى أهلِها، وتعود الثناءات إلى مَحلِّها.

المعلّمون غُيومٌ تمرُّ فلا تسألُ الأرضَ عن اسمِها، تُمطِرُ ثمّ تمضي، وتتركُ الحقولَ خضراءَ تشهدُ لها. وهم سُرُجٌ تحترقُ لتُضيء، وجُسورٌ تعبَرُ عليها فلا تخشى الخطر، ونخيلٌ يُرمى بالحجرِ فيُلقي أطيبَ الثّمر.

يدخلون الفصولَ وفي أيديهم الأقلام والأحمال، وفي صدورِهم الأحلام والآمال. يكتبون على السّبّورةِ سطرًا، فينعكس في العقولِ عُمرًا. ثم يمحون بالممحاةِ الغُبار، كما يجبرون بالكلمةِ الطّيّبةِ الانكسار.

أصواتُهم في الفصولِ كالأذانِ في الفجر، تُوقظُ النّائم، وتُنبّهُ الهائم. ونظراتُهم كالبوصلةِ في البحر، تُشيرُ إلى الشّاطئِ ولو اشتدَّ المَوج، وتُبشّرُ بالنّجاةِ ولو اشتدَّ الهَوج ، وتُحيي العقل إن ارتدّ الفوج.

يأتيهم النّاشئُ غُصنًا طريًّا، فيرعَونه حتّى يشتدَّ عودُه ويستقيمَ قَوامُه. ويأتيهم حرفًا مُبعثَرًا، فيصوغونه بيانًا سويًّا. ويأتيهم خائفًا متردّدًا، فيرُدّونه واثقًا متفرّدًا.

يزرعون في الصّباحِ بِذرة، ويسقونها في المساءِ فِكرة، ثمّ يقفون مِن بعيدٍ يرقُبون الشّجرة. قد لا يأكلون مِن ثمرِها، لكنّهم يفرحون بظلِّها، ويزهُون بشُموخِها وعُلاها.

كم دمعةٍ في عينِ صغيرٍ مسحوها بكلمة، وكم خيبةٍ في قلبِ ناشئٍ بدّلوها ببسمة! كأنّهم النّدى على ورقِ الورد، ينزلُ برِفق، ويُحيي بصِدق، ولا يطلبُ مِن الوردةِ شُكرًا ولا ثناءً ولا رَدّ.

قلوبُهم واسعةٌ كالسّماء، وأصواتُهم عذبةٌ كالماء. يُصلحون الخطأَ بابتسامة، ويُقوّمون المَيلَ بكرامة. يحملون همَّ طلّابِهم كأنّهم أبناؤهم، ويفرحون بنجاحِهم كأنّه نجاحُهم.

يغزلون مِن صبرِهم ثوبًا للأجيال، وينسجون مِن حنانِهم جناحًا للآمال. فإذا خرجَ مِن بينِ أيديهم طبيبٌ أو أديب، أو مهندسٌ أو خطيب، ففي كلٍّ منهم شيءٌ مِن أرواحِهم، كما يبقى في القارورةِ شذا العِطرِ وإن نَفِد.

كم مِن ليلةٍ سهِروا فيها والنّاسُ نِيام، يُصحّحون الأوراق، ويُرتّبون الأفكار، ويُعِدّون للغدِ دروسًا كما يُعِدُّ الفلّاحُ بذورَه للمطر. تعبٌ لا يُرى، وأجرٌ لا يَفنى، وأثرٌ يبقى ما بقيَ المدى.

وحسبُهم شرفًا أنّهم على أثرِ الأنبياءِ يسيرون، وفي ميدانِهم يَنثُرون الخيرَ ولا يَملّون. فقد قال رسولُ الله ﷺ: «إنّ اللهَ وملائكتَه وأهلَ السّماواتِ والأرض، حتّى النّملةَ في جُحرِها، وحتّى الحُوتَ، لَيُصلّون على مُعلِّمِ النّاسِ الخَير» (رواه الترمذي).

فأيُّ مقامٍ هذا الذي تُصلّي على أصحابِه النّملةُ في التّراب، والحوتُ في العُباب؟ إنّه مقامٌ لا يُشترى بالمال، ولا يُنالُ بالجِدال، بل يُنالُ بالصّبرِ وصالحِ الأعمال.

فيا مَن علّمتمونا الحَرف، وزرعتم فينا اللُّطف، وفتحتم لنا أبوابَ المعرفةِ بابًا بابًا، وأشرعتم لنا نوافذَ الأملِ رِحابًا رِحابًا: أنتم النّورُ إذا ادلهمَّ الطّريق، والماءُ إذا اشتدَّ الحريق، والصّدرُ الرّحيبُ إذا ضاقَ الصّديق.

سلامٌ عليكم ما أشرقَ صَباح، وما غرّدَ في الأيكِ جَناح، وما سالَ حِبرٌ على لَوح، وما باحَ طالبٌ بفرحةِ الفَتح. وجزاكم اللهُ عن كلِّ حرفٍ أنرتموه بيتًا في الجنّة، وعن كلِّ عقلٍ بنيتموه أجرًا ومِنّة.