الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٢ اكتوبر-٢٠٢٦       2695

بقلم: حمود بن بخيت الزهراني

ليس كل من غادر قاعة الملتقى غادر الحكاية..

فبعض الذين صفقنا لهم عند الختام، كانوا في الحقيقة جزءًا من القصة منذ لحظتها الأولى، وبعض الذين وقفوا خلف المشهد كانوا هم الذين صنعوا المشهد كله.

 

هكذا بدت لحظة الختام في الملتقى العلمي العالمي الثالث «الأسرة في مواجهة الإدمان»؛ لحظة لم تكن إعلانًا بانتهاء جلسات علمية، ولا إسدالًا للستار على أيامٍ حافلة بالنقاش والمعرفة، بقدر ما كانت وقفة وفاء أمام رجال ونساء حملوا الرسالة، وأدّوا الأمانة، وصنعوا مع الآخرين نجاحًا لا يُختصر في منصة، ولا يُقاس بعدد الجلسات، ولا ينتهي بانطفاء أضواء القاعة.

 

كان التكريم في ختام الملتقى مختلفًا في معناه؛ لأن المكرّمين لم يكونوا مجرد أسماء مرّت في جدول البرنامج، بل كانوا جزءًا من التفاصيل التي صنعت الصورة الكاملة.

 

كرّمت الجمعية الخيرية للمتعافين من المخدرات والمؤثرات العقلية «تعافي» اللجنة العلمية، ورؤساء الجلسات، والمتحدثين والخبراء، وممثلي الجهات والدول المشاركة، والإعلاميين والمتطوعين وشركاء النجاح؛ في مشهدٍ بدا وكأنه يقول للجميع: النجاح لا يكتمل إلا حين نتذكر من صنعوه.

 

وجاء هذا الختام في ملتقى احتضنته المنطقة الشرقية تحت رعاية صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن نايف بن عبدالعزيز، أمير المنطقة الشرقية والرئيس الفخري لجمعية «تعافي»، ودشّن أعماله وكيل إمارة المنطقة الشرقية الأستاذ تركي بن عبدالله التميمي، ونظمته «تعافي» بالتعاون مع الجمعية السعودية لعلاج الإدمان.

 

وهنا لا بد أن نتوقف قليلًا..

 

لأن الحديث عن الإدمان ليس حديثًا عن أرقام وتقارير ومصطلحات علمية فحسب؛ إنه حديث عن إنسان، وعن أسرة قد تخوض معركة صامتة، وعن أمٍ تنتظر عودة ابنها، وأبٍ يبحث عن نافذة أمل، وأسرة تريد أن تستعيد بيتها وطمأنينتها، وإنسان يحاول أن يستعيد نفسه من قبضة طريقٍ قاسٍ.

 

لهذا جاءت فكرة الملتقى أكبر من مجرد لقاء علمي.

 

جاءت لتضع الأسرة في قلب المواجهة، ولتجمع العلم بالتجربة، والخبرة بالوعي، والمتخصص بالأسرة، والرسالة بالمجتمع.

 

ومن هنا اكتسب حضور الخبراء والمتحدثين والمختصين من داخل المملكة وخارجها قيمته الحقيقية؛ فقد حمل كل مشارك تجربة، وكل ورقة علمية معرفة، وكل جلسة مساحة للحوار، وكل مشاركة فرصة لتوسيع دائرة الفهم حول واحدة من أكثر القضايا التي تحتاج إلى وعيٍ مبكر، وتكاملٍ مؤسسي، ومسؤولية مجتمعية.

 

وكان من اللافت أن تتسع دائرة المشاركة لتشمل ممثلي جهات ودول مختلفة، في صورة تؤكد أن القضايا الإنسانية الكبرى لا تعترف بالحدود، وأن تبادل التجارب والخبرات يمكن أن يصنع فارقًا حقيقيًا حين يتحول من حديثٍ في القاعات إلى ممارسةٍ في الميدان.

 

لكن خلف كل ذلك كانت هناك وجوه أخرى..

 

وجوه لا تظهر دائمًا في مقدمة الصورة.

 

المتطوعون.

 

أولئك الذين يعرفون أن قيمة العمل ليست في أن يراك الناس، وإنما في أن ينجح العمل حتى لو لم يروك.

 

كانوا هناك في التفاصيل، في التنظيم، في الاستقبال، في المتابعة، في كل صغيرة وكبيرة. وربما لم يسمع كثيرون أسماءهم، لكنهم كانوا جزءًا من النجاح الذي سمع به الجميع.

 

ثم يأتي الإعلام..

 

ذلك الشريك الذي يحمل الحدث من مكانه إلى الناس، ويمنح الرسالة حياةً أخرى خارج جدران القاعات. فحين يكون الإعلام مهنيًا وواعيًا، لا يكتفي بنقل الخبر، بل ينقل المعنى؛ ويحوّل اللحظة العابرة إلى ذاكرة، والحدث إلى رسالة، والرسالة إلى وعي.

 

ولهذا كان تكريم الإعلاميين جزءًا من تكريم النجاح نفسه.

 

أما شركاء النجاح، فقد كانوا الوجه الآخر لهذه الحكاية؛ لأن العمل المؤسسي الحقيقي لا يقوم على الجهود المنفردة، وإنما على الشراكة التي تجعل لكل طرف مساحة في صناعة الأثر.

 

وفي هذه اللحظة تحديدًا، كان موقف رئيس مجلس إدارة «تعافي» الأستاذ عبدالسلام الجبر معبرًا عن هذه الروح؛ إذ رفع خالص الشكر والتقدير والامتنان، باسمه ونيابة عن أعضاء ومنسوبي الجمعية، إلى سمو أمير المنطقة الشرقية، تقديرًا لرعايته الكريمة للملتقى ودعمه المتواصل لمسيرة الجمعية وبرامجها ومبادراتها.

 

كما ثمّن الجبر حضور وكيل إمارة المنطقة الشرقية الأستاذ تركي بن عبدالله التميمي وتدشينه أعمال الملتقى، مقدمًا شكره لكل من شارك وأسهم وعمل، ولكل متحدث وخبير ومختص، ولكل جهة ودولة شاركت بخبرتها وتجربتها، ولكل إعلامي ومتطوع وشريك كان له نصيب من هذا النجاح.

 

ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في مثل هذه اللحظات:

 

إن النجاح الحقيقي ليس أن تصل وحدك.. بل أن تعرف أسماء الذين أوصلوك.

 

وهذه هي قيمة التكريم.

 

أن تتذكر اليد التي امتدت، والصوت الذي أسهم، والعقل الذي خطط، والمتحدث الذي أثرى، والمتطوع الذي أعطى، والإعلامي الذي نقل، والشريك الذي ساند.

 

أن تقول لهم: لم ننسكم.

 

فالأيام تمضي، والملتقيات تنتهي، والمنصات تُطوى، واللافتات تُرفع، والقاعة تعود إلى هدوئها..

 

لكن الأثر لا يغادر.

 

يبقى في عقل من تعلّم، وفي قلب من وجد أملًا، وفي أسرة اكتسبت وعيًا، وفي متعافٍ شعر أن المجتمع لم يتركه وحده، وفي إنسان أدرك أن باب العودة إلى الحياة لا يُغلق.

 

وهنا تكمن عظمة الرسالة.

 

أن يتحول الملتقى من حدثٍ إلى أثر، ومن أثرٍ إلى وعي، ومن الوعي إلى حياة.

 

لهذا لم يكن ختام الملتقى العلمي العالمي الثالث «الأسرة في مواجهة الإدمان» نهايةً للحكاية.

 

كان تذكيرًا بأن المعركة الحقيقية تبدأ بعد أن تنطفئ الأضواء..

 

حين يعود كل إنسان إلى بيته، وحين تعود الأسرة إلى تفاصيلها، وحين يبدأ المجتمع في اختبار ما تعلّمه، وحين يحتاج متعافٍ إلى كلمة تشجعه، أو يدٍ تسنده، أو فرصةٍ تمنحه الثقة من جديد.

 

هناك فقط نعرف قيمة ما فعلناه.

 

وهناك فقط يصبح التكريم الحقيقي ليس لمن وقف على منصة الختام، وإنما لمن استطاع أن يجعل إنسانًا واحدًا يؤمن بأن الغد يستحق أن يُعاش.

 

فإذا كان الملتقى قد انتهى..

 

فإن رسالته لم تنتهِ.

 

وإذا أُغلقت أبواب القاعة..

 

فإن أبواب الأمل يجب ألا تُغلق.

 

وإذا غادر المتحدثون والمنظمون والمشاركون..

 

فإن الإنسان الذي تنتظره عائلته، ويبحث عن طريق العودة إلى الحياة، ما زال ينتظر منا جميعًا أن نكمل الحكاية.

 

وهنا.. يبدأ الاختبار الحقيقي للنجاح …

 

آخر الكلام……

كل ما اقفيت ناداني تعال

وكل ما اقبلت عزم بالرحيل