الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٨ سبتمبر-٢٠٢٦       4125

بقلم : محمد بن عايض الجعيد

كان في حياتنا قانون لا يُكتب، ومحكمةٌ لا تنعقد، وعقوبةٌ لا تحتاج إلى قاضٍ، كلمة واحدة كانت كفيلة بأن تردع، وأن ترسم بين المقبول والمرفوض خطًا لا يراه أحد، لم تكن كلمة " عيب " دائمًا حكمًا في حلال أو حرام، ولم تكن مادةً في نظام، كانت سلطة المجتمع حين لا تكون هناك سلطة، وصوتًا داخليًا يقول للمرء إن بعض ما يستطيع فعله لا ينبغي له أن يفعله.

برغم أن كل ما وصفه السابقون بـ "العيب" لم يكن عيبًا حقًا فبعضه كان عادةً لبست ثوب الفضيلة، وبعضه تشددًا اجتماعيًا ضيّق على الناس ما وسّعته الحياة.

ومن حسن ما فعل الوعي أنه أعاد أشياء كثيرة إلى حجمها الطبيعي، فلا تُحرّم عادةٌ ما أباحه الشرع، ولا تتحول نظرة الناس إلى سجن.

لكننا ونحن نفتح النوافذ كأننا اقتلعنا بعضها من الجدار حيث خفَّ سلطان "العيب"، وهذا حسنٌ في مواضع كثيرة، لكن "الحياء" الذي خفّ معه أحيانًا كان أجدر بالبقاء.

وهنا تبدل السؤال من " هل يليق؟ " إلى " هل هو ممنوع؟ " !، والفرق بين السؤالين أكبر مما يبدو.

فالأول يستفتي الإنسان فيه ضميره، والثاني يستفتي اللائحة، وحين يصبح " ليس ممنوعًا" تبريرًا كافيًا لكل شيء تضيق المسافة بين الحرية والفوضى.

فالأنظمة مهما بلغت من الدقة، لا تستطيع أن تكتب مادةً لكل موقف، ولا أن تضع كاميرا خلف كل إنسان، ولا أن تجعل لكل كلمة عقوبة ولكل تصرف رقيبًا.

ستبقى دائمًا مساحة لا يصل إليها القانون: بين قدرتك على الفعل وامتناعك عنه، بين أن تكون قادرًا على الإساءة فتترفع، وقادرًا على الفضح فتستر، وقادرًا على أخذ حقك كاملًا فتترك شيئًا منه كرمًا.

ولهذا فالمجتمعات لا ترتقي بكثرة الأنظمة وحدها، بل حين يصبح القانون حدّها الأدنى، والأخلاق سقفها الأعلى.

نحتاج النظام ليحفظ الحقوق، ونحتاج المروءة لتحفظ ما هو أرقّ من الحقوق، فالنظام يستطيع أن يمنعك من الاعتداء على الكبير، لكنه لا يستطيع أن يجعلك توقّره، يستطيع أن يحمي خصوصية إنسان، لكنه لا يستطيع أن يزرع فيك الستر، يستطيع أن يعاقب الإساءة، لكنه لا يستطيع أن يصنع الإحسان.

فالقانون يمنع التجاوز، أما الأخلاق فتمنع السقوط.

ولذلك لا أحنّ إلى زمنٍ كانت فيه كلمة "عيب " تُضيّق على الناس حياتهم، ولا أدعو إلى أن نستعيد سلطة المجتمع على خيارات أفراده.

لكنني أحنّ إلى المعنى النبيل الذي كان يسكن خلف الكلمة: أن يمتلك الإنسان حدًا لا يتجاوزه، حتى حين لا يمنعه أحد.

أن يعرف أن الحرية ليست أن تفعل كل ما تستطيع، وأن الرقي ليس أن تحفظ مواد النظام، بل أن تستغني عن بعضها بحسن خُلقك.

لرُبما …

مات كثيرٌ من "العيب"، وكان بعضه يستحق أن يموت، لكن الحياء لم يكن ينبغي أن يُدفن معه.