الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٨ سبتمبر-٢٠٢٦       4785

بقلم- د. علي بن عالي السعدوني

 قد نقرأ رواية تمتد إلى ثلاثمائة صفحة أو تزيد، ونمضي مع شخصياتها من أول الحكاية إلى آخرها ونعيش تحولاتهم الصغيرة والكبيرة ونحفظ أسماء الأمكنة ونفهم أسباب الصراع ونتعاطف مع هذا ونغضب من ذاك  ثم نغلق الكتاب فنكتشف أن الروائي كان قد وضع أمامنا منذ البداية خلاصة هذا العالم كله في كلمتين أو ثلاث استقرت على الغلاف، وأن العنوان الذي مررنا عليه سريعًا قبل القراءة لم يكن بطاقة تعريف بالنص ولا اسمًا اختاره المؤلف ليميز كتابه عن بقية الكتب، وإنما كان أول مفاتيح الرواية وأشدها اختصارًا وأكثرها قدرة على إخفاء المعنى وإظهاره في الوقت نفسه.
والعنوان الروائي الجيد لا يخبرنا بالحكاية كاملة؛ لأنه لو فعل ذلك لأصبح ملخصًا صغيرًا يسبق النص ويفسد جانبًا من متعة اكتشافه، وإنما يمنحنا طرفًا من المعنى ثم يترك الطرف الآخر معلقًا إلى أن نصل إليه بأنفسنا، ولذلك تتغير علاقتنا ببعض العناوين بعد القراءة لأن الكلمة التي كانت عادية على الغلاف تصبح مثقلة بالشخصيات والمصائر والأمكنة والدم والذاكرة والحب والخسارة، وكأن الرواية الطويلة لم تكن في جانب من جوانبها إلا شرحًا متأخرًا لذلك العنوان القصير.
ولننظر إلى نجيب محفوظ في (ثرثرة فوق النيل)، فالعنوان يبدو للوهلة الأولى بسيطًا لا يحتاج إلى كثير من التأويل لأن الثرثرة كلام والنيل مكان معروف، لكن محفوظ يجمع الكلمتين في تركيب يجعل الكلام العابر في مواجهة نهر يحمل في الذاكرة معنى الحياة والتاريخ والاستمرار ثم يضع بينهما كلمة صغيرة هي (فوق) فتتحول العلاقة المكانية إلى علاقة رمزية أوسع، فالشخصيات تجلس فوق النهر تتحدث وتجادل وتهرب من واقعها وتغرق في عالمها الخاص بينما الماء تحتها يواصل جريانه وكأن الحياة نفسها تمضي ولا تنتظر الذين اكتفوا بالكلام عنها.
ولماذا لم يسمِّ محفوظ روايته (العوامة) مع أنها المكان الذي يجمع الشخصيات وتدور فيه مساحة واسعة من الأحداث؟ لأن العوامة كانت ستدلنا على المكان وتنتهي مهمتها تقريبًا عند هذا الحد، أما (ثرثرة فوق النيل) فإنها لا تسمّي المكان بقدر ما تسمّي حالة الإنسان داخله وتكشف المسافة بين الكلام والفعل وبين الانشغال بالذات وحركة المجتمع خارجها، ولذلك لم يعد النيل في العنوان خلفية جغرافية للأحداث وإنما أصبح طرفًا صامتًا في المفارقة، ولم تعد الثرثرة مجرد حديث بين شخصيات وإنما أصبحت علامة على حالة كاملة أراد محفوظ أن يضعها أمام القارئ من غير أن يشرحها له مباشرة.
وفي (اللص والكلاب) يصنع محفوظ عنوانًا أكثر حدة، لأنه يضع أمامنا منذ البداية طرفين غير متكافئين هما اللص بصيغة المفرد والكلاب بصيغة الجمع، فينشأ الإحساس بالمطاردة قبل أن نعرف من يطارد من ولماذا بدأت المطاردة وإلى أين ستنتهي، ثم ندخل الرواية فنكتشف أن مدلول الكلاب يتسع في وعي سعيد مهران ولا يبقى محصورًا في المعنى الحرفي أو في رجال يلاحقونه، وإنما يمتد إلى عالم من الخيانة والانقلاب على المبادئ والخذلان الذي يشعر به البطل تجاه أشخاص كان يظن أنهم أقرب الناس إليه.
وكان محفوظ قادرًا على أن يجعل (سعيد مهران) عنوانًا للرواية لكنه لو فعل ذلك لجعل الشخصية مركز العنوان بينما أراد أن يجعل الصراع نفسه مركزًا له، ولذلك جاء (اللص والكلاب) عنوانًا يضع الإنسان في مواجهة عالم يراه متكاثرًا ضده، ويجعل الجمع في الطرف الثاني مقابل المفرد في الطرف الأول جزءًا من الإحساس بالحصار، وكأن البنية النحوية البسيطة للعنوان بدأت الحكاية قبل أن تبدأ الصفحة الأولى.
أما في (الحرافيش) فإن محفوظ يذهب إلى الجماعة بدل الفرد، فلا يختار اسم بطل واحد لأن الرواية تمتد عبر أجيال وتتجاوز مصير الشخصية المفردة إلى حركة مجتمع صغير تتكرر داخله أسئلة القوة والعدل والظلم والسلطة والضعف، ولذلك تصبح كلمة (الحرافيش) التي تحيل إلى العامة والبسطاء أكثر قدرة على حمل الرواية من اسم أي شخصية، لأن الأشخاص يذهبون ويتغيرون بينما الجماعة تبقى شاهدة على دورة القوة وسقوطها وعلى تبدل الفتوات وعلى ما يصيب الناس عندما يستقيم ميزان العدل أو يختل.
ومع غسان كنفاني في (رجال في الشمس) نجد عنوانًا لا يكشف المأساة وإنما يهيئ لها في صمت، فكلمة (رجال) تستدعي القوة والتحمل والقدرة على مواجهة المشقة بينما تبدو (الشمس) في البداية عنصرًا طبيعيًا مألوفًا لا يحمل وحده معنى المأساة، لكن الرواية تعيد بناء الكلمتين تدريجيًا إلى أن تصبح الشمس قوة ضاغطة ويصبح الرجال في مواجهة ظرف أقسى من قدرتهم على الاحتمال، وعندها نعود إلى العنوان بعد النهاية فنكتشف أن الكلمات نفسها لم تتغير لكن معناها في داخلنا تغير تمامًا.
ولماذا لم يسمها كنفاني (الخزان) أو (الهجرة) أو (الصحراء)؟ لأن هذه العناوين كانت ستشير إلى عنصر من عناصر الحكاية وتحبس الرواية داخله، بينما (رجال في الشمس) يضع الإنسان في مواجهة المكان والحرارة والظرف والمصير من غير أن يكشف النهاية، ولذلك تصبح الشمس بعد القراءة شيئًا آخر غير الشمس التي عرفناها قبلها، وهذه من أجمل قدرات العنوان الروائي لأن الكاتب يأخذ كلمة يومية مألوفة ثم يعيدها إلينا وقد حملها بتجربة كاملة.
وفي (مدن الملح) لعبدالرحمن منيف ندخل إلى مستوى آخر من بلاغة العنونة، لأن الكاتب يجمع بين كلمتين تكاد طبيعة كل واحدة منهما تناقض الأخرى فالمدن في وعينا مبنية لتبقى وتتسع وتستقر ويعيش الناس داخلها أجيالًا متعاقبة بينما الملح هش قابل للذوبان ولا يوحي بالثبات الذي توحي به الحجارة والجدران، ومن هذا التناقض تنشأ قوة العنوان لأن منيف لا يعطينا فكرة جاهزة وإنما يمنحنا صورة غريبة تظل تعمل في الذهن وتطالبنا بتفسيرها.
وكان يستطيع أن يختار عنوانًا مباشرًا يتحدث عن النفط أو الصحراء أو التحولات الاجتماعية لكنه لو فعل ذلك لأخبرنا بالقضية قبل أن نقرأها وحاصر النص في تسمية واحدة، أما (مدن الملح) فيفتح مساحة أوسع للتأويل ويجعل القارئ يتأمل كيف يمكن لشيء يبدو ثابتًا من الخارج أن يحمل في داخله أسباب هشاشته، ولذلك لم يكن الملح زينة لغوية في العنوان وإنما كان مفتاحًا لفهم التحولات العميقة التي تمس المكان والإنسان والعلاقات والقيم.
وفي (شرق المتوسط) يختار منيف الجغرافيا مرة أخرى لكنه لا يسمّي دولة ولا مدينة ولا نظامًا سياسيًا بعينه وإنما يترك المكان واسعًا في عبارة (شرق المتوسط)، وكأن عدم التحديد هو المقصود لأن تسمية بلد بعينه كانت ستجعل القارئ يضع التجربة داخل حدوده وينظر إليها باعتبارها حكاية محلية تخص مجتمعًا واحدًا، بينما العنوان المفتوح يوسّع التجربة ويجعل السجن والقمع ومعاناة الإنسان قابلة للقراءة في فضاء أكبر من حدود المكان المفرد.
أما الطيب صالح في (موسم الهجرة إلى الشمال) فقد اختار كل كلمة في عنوانه بطريقة تجعل استبدالها يغير جزءًا من المعنى، فهو لم يقل (السفر إلى الشمال) لأن السفر قد يكون انتقالًا عابرًا ينتهي بالعودة ولا يترك في الإنسان أثرًا عميقًا، وإنما قال (الهجرة) بما تحمله الكلمة من انتقال واقتلاع وتحول في العلاقة بالمكان والذات، ولم يقل (إلى لندن) أو (إلى أوروبا) وإنما قال (إلى الشمال) ليخرج بالمكان من حدوده الجغرافية المباشرة إلى فضاء حضاري وثقافي تتقاطع داخله علاقة الشرق بالغرب والذات بالآخر والمستعمَر بالمستعمِر.
ثم تأتي كلمة (موسم) لتضيف إلى العنوان بعدًا آخر، لأن الموسم ليس لحظة منفردة وإنما زمن يعود وتتكرر داخله الظواهر والحركات، وبذلك لا تبقى رحلة مصطفى سعيد مجرد سيرة رجل انتقل من الجنوب إلى الشمال وإنما تصبح جزءًا من حركة تاريخية وثقافية أوسع، ولهذا يبدو العنوان بعد اكتمال الرواية أكبر من الشخصية نفسها لأنه لم يسمِّ المسافر وإنما سمّى الرحلة وما وراء الرحلة.
وفي (ذاكرة الجسد) لأحلام مستغانمي نجد تركيبًا يقوم على نقل الذاكرة من موضعها المألوف إلى موضع آخر، فالذاكرة ترتبط عادة بالعقل والوعي واستعادة الماضي بينما الجسد شيء محسوس يحمل آثار الزمن بصورة أخرى، وعندما تجمع الكاتبة بينهما يصبح الجسد نفسه ذاكرة وتصبح الجراح والتغيرات والآثار التي يتركها الزمن شكلًا آخر من أشكال التذكر، وكأن الإنسان لا يتذكر ما عاشه بعقله وحده وإنما يحمله في جسده أيضًا.
ولو اختارت مستغانمي عنوانًا مباشرًا عن الحب أو الثورة أو أطلقت على الرواية اسم بطلها لضاقت الدلالة وانحصرت في حكاية أو شخصية، أما (ذاكرة الجسد) فقد سمح للخاص أن يتصل بالعام وللجسد الفردي أن يحمل شيئًا من ذاكرة الوطن، ولذلك نجح العنوان لأنه لا يصف موضوع الرواية وإنما يصنع صورة قادرة على احتواء أكثر من موضوع داخلها.
وفي (شقة الحرية) لغازي القصيبي نجد المفارقة قائمة بين ضيق المكان واتساع المعنى، فالشقة جدران ومساحة محدودة يمكن قياسها بالأمتار بينما الحرية معنى مفتوح لا يقبل القياس بهذه الطريقة، وعندما يجمع القصيبي بينهما تتحول الشقة الصغيرة إلى مساحة فكرية أكبر من حجمها الحقيقي لأنها تحتضن شبابًا يكتشفون السياسة والفكر والحب والاختلاف والعالم وأنفسهم في وقت واحد.
ولهذا لم يسمِّ القصيبي الرواية باسم القاهرة ولا بأسماء شخصياتها، لأن المكان الذي يهمه ليس المدينة كلها وإنما تلك المساحة الصغيرة التي تحولت إلى مختبر لجيل كامل، ولم تكن الحرية كلمة مضافة لتجميل العنوان وإنما كانت جوهر التجربة التي يخوضها هؤلاء الشباب داخل الشقة وخارجها، وبذلك يتولد جمال العنوان من التناقض بين مكان محدود وحلم لا تحده الجدران.
وفي (ساق البامبو) لسعود السنعوسي يصل الرمز إلى درجة أكبر من التكثيف، فالبامبو نبات يستطيع أن ينمو إذا نقل من أرض إلى أرض ولا يسأل عن اسم التربة التي استقبلته ولا عن المجتمع الذي يسمح له بالانتماء إليه، بينما الإنسان الذي يحمل أكثر من ثقافة وأكثر من أصل يكتشف أن انتقال الجسد من مكان إلى آخر لا يعني بالضرورة انتقال الهوية بالسهولة نفسها، وأن الأرض قد تستقبل النبات بينما يظل المجتمع مترددًا في استقبال الإنسان.
ولو سمّى السنعوسي روايته (البحث عن الهوية) لأعطانا الفكرة جاهزة وأغلق جانبًا كبيرًا من جمالها، لكنه اختار (ساق البامبو) فحوّل القضية الفكرية إلى صورة حية يمكن للقارئ أن يراها ويتأملها، وجعل النبات البسيط يحمل سؤالًا إنسانيًا كبيرًا عن الأصل والانتماء والقبول، ولذلك يصبح العنوان بعد قراءة الرواية أكثر إيلامًا لأننا لا نرى ساقًا نباتية فقط وإنما نرى إنسانًا يحاول أن يغرس نفسه في أرض ويبحث عمن يعترف بجذوره.
وفي (موت صغير) لمحمد حسن علوان تظهر البلاغة في اجتماع كلمتين تبدوان متعارضتين، فالموت في وعينا حدث كبير ونهائي لا يقبل التجزئة بينما (صغير) صفة تخفف الحجم وتقلل الأثر، وعندما يلتقيان ينشأ سؤال دلالي منذ الغلاف عن هذا الموت الذي يمكن أن يكون صغيرًا، ثم تكشف الرواية من خلال تخييل سيرة ابن عربي ورحلاته وتحولاته أن الإنسان قد يعيش أشكالًا متعددة من الفقد والانفصال والتحول تشبه الموت من غير أن تكون الموت الأخير.
ولو اختار علوان اسم (ابن عربي) عنوانًا لروايته لاتجه ذهن القارئ مباشرة إلى السيرة التاريخية، أما (موت صغير) فيأخذنا إلى الداخل الإنساني ويجعل الشخصية التاريخية مدخلًا إلى سؤال أوسع عن الفقد والرحيل والتحول وما يتركه الطريق في الروح، وبذلك يصبح العنوان قادرًا على الحياة خارج اسم الشخصية مع بقائه شديد الاتصال بتجربتها.
وإذا جمعنا هذه النماذج وجدنا أن الروائي الكبير لا يختار عنوانه لأنه جميل في السمع فقط، وإنما لأنه يريد أن يضع على باب الرواية عبارة صغيرة تستطيع أن تحمل شيئًا من عالم كبير وتحتفظ في الوقت نفسه بمساحة من الغموض تجعل القارئ يدخل بحثًا عن بقية المعنى، ولذلك يختار محفوظ (ثرثرة) ولا يختار (العوامة)، ويختار كنفاني (الشمس) ولا يختار (الخزان)، ويختار منيف (الملح) ولا يختار (النفط)، ويختار الطيب صالح (الشمال) ولا يختار (لندن)، ويختار السنعوسي (البامبو) ولا يختار (الهوية)، لأن الكلمة غير المباشرة أكثر قدرة على البقاء وأكثر اتساعًا للتأويل من الكلمة التي تقول كل شيء ثم تنتهي.
ولعل أجمل ما يفعله العنوان الروائي أنه يجعلنا نقرأ العبارة نفسها مرتين بمعنيين مختلفين نقرأها أول مرة ونحن نقف خارج الرواية فلا نملك إلا الكلمات وما تثيره فينا من توقعات ثم نقرأها مرة أخرى بعد الصفحة الأخيرة وقد أصبحت الكلمات محملة بوجوه الشخصيات وأصواتها ومصائرها وأخطائها وأحلامها وخساراتها، وعندها نفهم لماذا اختار الروائي هذه الكلمات بالذات ولماذا لم يكن عنوان آخر قادرًا على أن يحتل مكانها.
وهذه هي بلاغة العنوان في الرواية أن يقول القليل ويحتفظ بالكثير وأن يفتح باب النص من غير أن يكشف ما وراء الباب وأن يبدو مفهومًا قبل القراءة ثم يصبح أكثر عمقًا بعدها؛ لأن العنوان الناجح ليس لافتة معلقة فوق الرواية ولا اسمًا نحتاج إليه في فهرس الكتب، وإنما هو نص صغير شديد التكثيف يسير معنا منذ الصفحة الأولى ثم ينتظرنا عند الصفحة الأخيرة، لنكتشف أن الرواية التي احتاجت مئات الصفحات كي تقول حكايتها كانت قد أخفت شيئًا من تلك الحكاية منذ البداية في كلمات قليلة على الغلاف.