الكاتب : النهار
التاريخ: ١٧ سبتمبر-٢٠٢٦       8250

بقلم: محمد الكناني

لم تكن مكة المكرمة في وجدان المسلمين مدينةً كغيرها، فهي البلد الحرام، ومهبط الوحي، وقِبلة المسلمين، ومهوى أفئدة الملايين، ولذلك فإن أي اعتداء يتجه نحوها لا يُقرأ بوصفه حدثًا عسكريًا عابرًا، بل انتهاكًا لحرمة مكان جعله الله آمنًا، واستفزازًا لمشاعر المسلمين في أنحاء العالم.

وعبر التاريخ، بقيت بعض الاعتداءات على مكة محفورةً في الذاكرة الإسلامية، لا لقوة أصحابها، وإنما لفداحة ما أقدموا عليه، واختلفت الأدوات والأزمنة، وبقيت حرمة المكان واحدة.

خلّد القرآن الكريم قصة أصحاب الفيل في سورة كاملة: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾، وتروي المصادر التاريخية أن أبرهة سار بجيشه قاصدًا الكعبة، لكن حملته انتهت قبل تحقيق غايتها، وبقيت الحادثة في الذاكرة الإسلامية شاهدًا على حرمة البيت ومكانته، مضى أبرهة وجيشه، وبقيت الكعبة قائمةً يؤمها المسلمون من مشارق الأرض ومغاربها.

وبعد قرون، شهدت مكة واحدةً من أشد صفحات تاريخها ألمًا، عندما هاجم القرامطة مكة سنة 317هـ/930م في موسم الحج، فوقعت أعمال قتل ونهب، وانتُزع الحجر الأسود من موضعه ونُقل بعيدًا عن مكة، قبل أن يعود إليها بعد سنوات، وكانت جريمةً هزّت العالم الإسلامي، وبقيت في كتب التاريخ مثالًا على فداحة انتهاك حرمة البلد الحرام والاعتداء على الحجاج والمقدسات، ثم مضى المعتدون، وبقي الحرم، وعاد الحجر الأسود إلى موضعه، واستمرت مكة قِبلةً للمسلمين.

وفي عصرنا الحديث تغيرت أدوات الحرب، لكن خطورة المساس بحرمة مكة لم تتغير، ففي مساء الثلاثاء 15 سبتمبر 2026م، أعلنت قوات التحالف أن الدفاع الجوي الملكي السعودي اعترض ودمّر طائرةً مسيّرةً معادية أطلقتها ميليشيا الحوثي قبل دخولها المجال الجوي المحظور للعاصمة المقدسة، وجرى اعتراضها جنوب مدينة مكة المكرمة، كما أكد المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف أن هذه المحاولة تعد الثانية لاستهداف مكة المكرمة، بعد محاولة إطلاق صاروخ باليستي باتجاهها في 27 يوليو 2017م.

وهنا تتجاوز المسألة حدود المواجهة العسكرية، فمكة ليست هدفًا عسكريًا، وإنما أقدس بقاع المسلمين، واستهداف محيطها، أو محاولة اختراق مجالها المحظور، يمثل انتهاكًا لحرمة المكان، واستفزازًا لمشاعر المسلمين، وترويعًا للآمنين.

ولا يحتاج الموقف من استهداف مكة إلى خطاب مذهبي أو اصطفاف طائفي، فحرمة البيت الحرام تجمع المسلمين، وحماية المقدسات مسؤولية لا يجوز إدخالها في حسابات الصراعات السياسية أو المشروعات الإقليمية، ومهما تعددت الشعارات والمبررات، تبقى الحقيقة ثابتة: مكة والمشاعر المقدسة خارج حسابات الصراع.

وهنا تتجلى مسؤولية المملكة العربية السعودية، التي شرّفها الله بخدمة الحرمين الشريفين ورعاية قاصديهما، وهي مسؤولية دينية ووطنية وإنسانية سخّرت لها المملكة إمكاناتها البشرية والأمنية والتقنية، وجعلت أمن الحرمين الشريفين وضيوف الرحمن في مقدمة أولوياتها.

وقد أثبتت يقظة قوات الدفاع الجوي السعودي، مرةً أخرى، أن حماية المقدسات ليست شعارًا، وإنما مسؤولية تؤديها الدولة، ومنظومة أمنية وعسكرية متكاملة تسهر على حماية مكة المكرمة وسكانها وقاصدي بيت الله الحرام.

وبين فيل أبرهة، وسيوف القرامطة، ومسيّرات العصر، قرون طويلة، ولا يصح اختزال أحداث مختلفة في ظروفها ودوافعها وأهدافها في واقعة تاريخية واحدة، لكن الجامع بينها في الذاكرة الإسلامية واضح: حرمة مكة لا يجوز أن تكون ساحةً للعدوان أو تصفية الحسابات.

ذهب أبرهة وجيشه، وانتهى سلطان القرامطة، وسيطوي التاريخ كل مشروع يعتقد أن بإمكانه صناعة مجده بالاعتداء على المقدسات أو ترويع الآمنين، أما مكة فباقية، قِبلةً تتجه إليها وجوه المسلمين خمس مرات في اليوم، ومهوىً للأفئدة، وبلدًا آمنًا بإذن الله، وفي حمى دولة جعلت خدمة الحرمين الشريفين وأمن قاصديهما شرفًا ومسؤولية.

مكة ليست ساحة حرب، والحرم ليس ورقةً سياسية، وأمن المقدسات لا يقبل المساومة.

ومن أراد أن يعرف مكانة هذه البقعة في قلوب المسلمين، فليتأمل ملايين الوجوه التي تتجه إليها كل يوم من أنحاء العالم، مختلفةً في أوطانها وألسنتها، مجتمعةً على قِبلة واحدة.

ستبقى مكة آمنةً عزيزةً بإذن الله، وسيبقى أمن الحرمين الشريفين وضيوف الرحمن خطًا أحمر.