الكاتب : النهار
التاريخ: ١٦ سبتمبر-٢٠٢٦       6380

بقلم: عيسى المزمومي

ليست كل الشخصيات التي تعبر حياتنا من أصحاب المناصب أو الشهرة أو النفوذ. بعضهم لا يملكون سوى رصيفٍ ضيق، أو بسطةٍ صغيرة، أو ابتسامةٍ صادقة، لكنهم يتركون في الذاكرة أثرًا لا تصنعه الألقاب ولا الثروات. وربما كانت الحياة أكثر عدلًا مما نظن؛ فهي لا تمنح الخلود لمن امتلك الكثير، بل لمن علّم الآخرين شيئًا يستحق أن يُروى! 

 

ومن بين الوجوه التي لم تغادر ذاكرتي، يبرز وجه رجل بسيط كنت أعرفه باسم عم زين. لم يكن رجل أعمال، ولا أكاديميًا، ولا مسؤولًا في مؤسسة كبيرة. كان بائعًا يفترش الرصيف، يبيع تحت شمس المنطقة الشرقية اللاهبة، بينما المارة يعبرون أمامه مسرعين؛ بعضهم يشتري، وكثير منهم يكتفي بالنظر ثم يمضي.

 

كان المشهد يتكرر كل يوم، حتى أصبح جزءًا من ذاكرة المكان: بسطة متواضعة، ومظلة صغيرة بالكاد تقيه حر الشمس، ووجه أنهكته السنوات، لكنه لم يعرف الاستسلام. كان يجلس منذ الصباح الباكر حتى آخر النهار، وكأن الرصيف أصبح جزءًا من حياته، أو كأن الحياة اختصرت نفسها في مساحة لا تتجاوز بضعة أمتار.

 

كنت أتساءل في داخلي: كم يحتاج الإنسان من قوة حتى يبدأ يومه كل صباح، وهو يعلم أن رزقه مرهون بمن يقف أمام بسطته؟ وكم يحتاج من الصبر حتى يبتسم لمن يساومه على ريال، بينما هو يحاول أن يوفر لقمة عيش لأسرته؟!

 

كان الفقر حاضرًا في تفاصيل المشهد، لكنه لم يكن حاضرًا في كرامة الرجل. لم أره يومًا يستجدي أحدًا، ولم أسمعه يشكو حظه أو يلعن ظروفه. كان يبيع بضاعته كما لو أنه يؤدي رسالة، ويستقبل الناس بابتسامة هادئة، ثم يعود إلى صمته الطويل! 

 

هناك أدركت أن الفقر ليس دائمًا انكسارًا، بل قد يكون مدرسة قاسية تُخرج من الإنسان طاقات لم يكن يعرف أنه يمتلكها. فالحاجة، رغم مرارتها، كثيرًا ما تدفع الإنسان إلى اكتشاف قدرته على المقاومة، وإلى ابتكار وسائل للبقاء لم تكن تخطر له على بال.

 

لقد علّمني عم زين أن الكرامة لا تُقاس بحجم الراتب، ولا بمكانة الوظيفة، وإنما بقدرة الإنسان على أن يكسب رزقه من عرق جبينه، مهما كانت المهنة متواضعة. فالعمل الشريف يرفع صاحبه، حتى لو كان على رصيف شارع، بينما قد تهبط المناصب بصاحبها إذا فقد شرفها.

 

وكثيرًا ما كنت أراقب الناس وهم يمرون بجانبه. بعضهم ينظر إليه بعين الشفقة، وبعضهم بعين اللامبالاة، وقليل منهم كان يرى الحقيقة كاملة. لم يكن الرجل يحتاج إلى شفقة أحد، بل كان يحتاج إلى مجتمع يؤمن بأن قيمة الإنسان فيما يصنع، لا فيما يملك.

 

لقد علّمتنا الحياة أن ننظر إلى الناجحين بعد وصولهم، لكنها نادرًا ما تدفعنا إلى النظر في بداياتهم. فالناس يعشقون القمم، لكنهم ينسون السفوح التي تسلقها أصحابها بصعوبة. وما أكثر الذين بدأوا من الأرصفة، ثم انتهوا إلى قمم لم يكن أحد يتوقعها.

 

كنت أعود إلى منزلي أحيانًا، وصورة عم زين لا تفارق ذهني. كنت أفكر في آلاف البشر الذين يصنعون الحياة بصمت، دون أن تكتب الصحف عنهم، أو تُسلَّط عليهم الأضواء. هؤلاء هم الجنود المجهولون الذين تقوم عليهم المجتمعات: العامل، والبائع، والسائق، والحرفي، وكل إنسان يخرج كل صباح باحثًا عن رزقه الشريف.

 

ولعل أكثر ما أثار إعجابي فيه أنه لم يكن يبيع سلعة فقط، بل كان يبيع الأمل أيضًا. فكل يوم يعود فيه إلى بسطته كان إعلانًا جديدًا عن انتصار الإرادة على اليأس. وكأن حضوره اليومي رسالة تقول إن الظروف قد تضيق، لكنها لا تستطيع أن تهزم إنسانًا يرفض الاستسلام.

 

ولطالما فكرت في أن الشمس التي كانت تحرق جلده، كانت في الوقت نفسه تصقل شخصيته. فالحياة لا تصنع الرجال في الأماكن المريحة، وإنما تصنعهم في ميادين التعب، حيث يختبر الإنسان نفسه كل يوم، ويكتشف أن لديه قدرة أكبر على الاحتمال مما كان يظن.

 

ومع مرور السنوات، أدركت أن كثيرًا من الأحكام التي نصدرها على الناس مبنية على المظاهر. فقد نرى رجلًا يقف على رصيف، فنظنه فقيرًا في كل شيء، بينما يكون أغنى منا في الصبر، وأوسع منا في الرضا، وأعمق منا في فهم معنى الحياة.

 

إن الفقر الحقيقي ليس قلة المال، بل قلة الأمل. والإنسان الذي يمتلك إرادة صادقة يستطيع أن يبدأ من لا شيء، بينما قد يعجز من يملك كل شيء إذا فقد عزيمته.

 

كان عم زين، دون أن يعلم، يقدم درسًا يوميًا لكل من يراه. لم يكن يلقي محاضرات في التنمية البشرية، ولم يكتب كتابًا عن النجاح، ولم يظهر في وسائل الإعلام، لكنه كان يترجم معنى الكفاح بلغة لا تحتاج إلى كلمات. كانت حياته نفسها هي الدرس.

 

وتعلمت منه أن المجتمع الذي يحترم البسطاء هو مجتمع يحترم نفسه. فالأمم لا تُبنى بالنجوم وحدهم، وإنما تُبنى بأصحاب المهن الصغيرة الذين يديرون عجلة الحياة بصمت، ويواصلون العمل بينما ينشغل الآخرون بالكلام.

 

لقد اعتدنا أن نصف بعض المهن بأنها بسيطة، لكن الحقيقة أن المهنة لا تكون بسيطة إذا كانت تحفظ كرامة صاحبها. البسيط هو الكسل، أما العمل فلا يعرف الصغر. وكل يد تمتد لتكسب رزقها بالحلال تستحق الاحترام، مهما كان ما تحمله من أدوات.

 

ومع مرور الوقت، أصبح عم زين بالنسبة إليّ رمزًا، لا شخصًا فقط؛ رمزًا لجيل كامل عرف معنى التعب، ولم ينتظر الفرص، بل صنعها بما استطاع. جيل لم يكن يسأل: لماذا حدث لي هذا؟ بل كان يسأل: ماذا أستطيع أن أفعل بما بين يدي؟

 

ولذلك، كلما سمعت من يردد أن الظروف هي التي صنعت فشله، تذكرت ذلك الرجل الواقف تحت الشمس. فالظروف قد تؤخر الإنسان، لكنها لا تمنعه من المحاولة. والفقر قد يرهق الجسد، لكنه لا يستطيع أن يهزم الروح إذا بقيت مؤمنة بأن بعد العسر يسرًا.

 

إن الحياة لا تمنح الجميع نقطة بداية واحدة، لكنها تمنحهم جميعًا فرصة السير. فمنهم من يتوقف عند أول عقبة، ومنهم من يحول العقبة إلى درجة يصعد بها. وهنا يكمن الفرق بين من يعيش أسيرًا لواقعه، ومن يصنع من واقعه بداية جديدة.

 

واليوم، كلما مررت برصيف يشبه ذلك الرصيف، أو رأيت بائعًا يقف تحت حرارة الشمس، لا أرى مجرد رجل يبيع بضاعة، بل أرى قصة كاملة من الصبر والكفاح والإيمان بالرزق. أرى في ملامحه شيئًا من عم زين، وشيئًا من كل إنسان رفض أن يستسلم لظروفه! 

 

لقد بقي الرصيف في الذاكرة، لا لأنه كان مكانًا للبيع، بل لأنه كان مدرسة للحياة. وهناك، بين حرارة الشمس وضجيج السيارات، تعلمت درسًا لن أجده في كثير من الكتب: أن الإنسان قد يخسر المال، وقد يخسر المنصب، وقد يخسر أشياء كثيرة، لكنه ما دام يحتفظ بكرامته وإرادته، فإنه لم يخسر نفسه.

 

وربما لهذا السبب لم يغادرني عم زين أبدًا. لم يكن مجرد بائع على رصيف، بل كان شاهدًا حيًا على أن الكرامة يمكن أن تقف تحت الشمس ساعات طويلة دون أن تنحني، وأن الفقر، مهما اشتد، قد يصنع رجالًا يعجز الرخاء أحيانًا عن صناعة أمثالهم.

 

وإذا كانت هذه اليوميات تحاول أن تروي ما هو خارج المألوف، فإن عم زين لم يكن خارج المألوف لأنه باع على الرصيف، بل لأنه أثبت أن الإنسان يستطيع أن يحوّل الرصيف إلى منصة للشرف، وأن يجعل من بسطة صغيرة درسًا كبيرًا في الكرامة والعمل والإيمان بالحياة، رغم كل النفاق الذي يسكننا في كل اتجاه! 

 

ملاحظة:

مقتطفات من كتاب «يوميات خارج المألوف»، جارٍ إصداره خلال الأيام القادمة.