بقلم : د. علي بن عالي السعدوني
قرأت خبر جامعة الملك فهد للبترول والمعادن أكثر من مرة، ولم أتوقف كثيرًا عند الأرقام الواردة فيه 50% للقدرات و50% للتحصيلي الخاص بالجامعة وصفر لنسبة الثانوية بقدر ما توقفت عند السؤال الذي يختبئ خلف هذه الأرقام إذا كانت اثنتا عشرة سنة من التعليم المدرسي، وثلاث سنوات كاملة من المرحلة الثانوية لا تدخل في المفاضلة على المقعد الجامعي، فما القيمة التقويمية التي بقيت لشهادة المدرسة؟
السؤال لا يعني أن قرار الجامعة خاطئ كما أنه لا يعني أن نسبة الثانوية هي المعيار العادل الذي يجب الدفاع عنه مهما كانت مشكلاته، فلدينا بالفعل تفاوت بين المدارس في صعوبة الاختبارات وفي التصحيح وفي منح الدرجات، ولدينا تضخم في المعدلات جعل النسب المرتفعة شائعة إلى درجة أضعفت قدرتها على التمييز بين الطلاب، ولهذا يمكن فهم بحث جامعة قوية وتنافسية عن أداة أكثر استقلالًا تستطيع بها اختيار طلابها لكن فهم دوافع القرار شيء، واعتبار البديل معيارًا كاملًا للعدالة شيء آخر مختلف تمامًا.
فالقدرات مهما بلغت جودة بنائه لا يستطيع أن يختصر الإنسان كله في نتيجة واحدة إنه يقيس جوانب محددة من الاستدلال والتحليل والقدرات اللفظية والكمية في ظروف اختبارية محددة، وهذه جوانب مهمة بلا شك لكنها ليست الطالب كله، ولا تقيس بالضرورة مثابرته وانضباطه وتطوره عبر السنوات وقدرته على البحث والعمل الطويل والتعلم من الخطأ، ولذلك فإن ارتفاع درجة طالب في اختبار القدرات لا يعني تلقائيًا أنه سيكون أفضل طالب جامعي كما أن انخفاض درجة آخر لا يعني أنه أقل ذكاءً أو أقل قابلية للنجاح.
والسؤال نفسه ينسحب على الاختبار التحصيلي، فالطالب يدرس سنوات، ويمر بعشرات المقررات ومئات الدروس وآلاف الساعات داخل المدرسة ثم نطلب منه أن يستحضر جانبًا من حصيلته العلمية في جلسة اختبار محدودة بالساعات، وبعدها يصبح الرقم الناتج جزءًا حاسمًا في تقرير مستقبله، وفي هذا يحق لنا تربويًا أن نسأل دون أن نقلل من قيمة الاختبارات المعيارية هل ثلاث ساعات تستطيع أن تحكي قصة ثلاث سنوات؟
قد يقول قائل إن اختبارًا موحدًا أكثر عدلًا من درجات تصنعها مدارس متفاوتة، وهذه حجة لها وجاهتها لكن الجواب عنها ليس أن الاختبار الموحد كامل بل أنه يحل مشكلة ويصنع سؤالًا آخر، فالطالب الذي تدرب طويلًا على أنماط الأسئلة قد يملك أفضلية على طالب يمتلك معرفة جيدة لكنه أقل خبرة في التعامل مع الاختبارات الموقوتة، وقد يتأثر الأداء في يوم الاختبار بالقلق أو الإرهاق أو ظرف عابر، ولذلك فإن القياس التربوي الرصين لا ينبغي أن يحول أداة قياس واحدة إلى حكم نهائي على قدرة إنسان ومستقبله.
وفي المقابل من الصعب الدفاع عن نسبة الثانوية بصورتها الحالية وكأنها المعيار المثالي، فإذا أردنا أن نقول للجامعات ثقوا بدرجات مدارسنا، فعلينا أولًا أن نجعل هذه الدرجات جديرة بهذه الثقة باختبارات أكثر ضبطًا، وتقويم أكثر عدالة، ومعايير تقلل الفروق غير الموضوعية بين مدرسة وأخرى؛ لأن الجامعة من حقها أن تسأل عن معنى 99% إذا كانت هذه النسبة لا تحمل الدلالة نفسها في كل مدرسة.
ولهذا أرى أن أهم ما في خبر جامعة الملك فهد ليس إلغاء وزن الثانوية بل أنه كشف مشكلة أكبر في العلاقة بين المدرسة والجامعة، فالمدرسة تقول للطالب طوال سنوات إن درجاته مهمة، والأسرة تلاحقه من أجل كل نصف درجة، والمعلم يقيس أداءه طوال العام ثم يصل الطالب إلى بوابة جامعة كبرى فيكتشف أن حصيلة الثانوية لا وزن لها في المفاضلة، وفي هذا تظهر فجوة تحتاج إلى نقاش وطني تربوي جاد ما وظيفة التقويم المدرسي إذا كانت الجامعة لا تثق به؟ وما وظيفة الاختبارات المعيارية إذا تحولت من أداة مساعدة إلى بوابة تكاد تختصر مستقبل الطالب؟
وربما يكون الطريق الأكثر توازنًا ألا نقدس الثانوية ولا نقدس القدرات والتحصيلي بل نبني قبولًا متعدد الأدوات يأخذ من السجل المدرسي ما يكشف الاستمرارية والاجتهاد، ومن الاختبارات المعيارية ما يحقق قدرًا من المقارنة العادلة، ويمكن للتخصصات شديدة التنافس أن تضيف اختبارات نوعية أو سنة تأسيسية تكشف قدرة الطالب في بيئة الجامعة نفسها، فكلما كان القرار مصيريًا كان من المنطقي ألا نعلقه على رقم واحد أو صباح اختبار واحد.
إن جامعة الملك فهد من حقها أن تبحث عن الطالب الأنسب لطبيعة برامجها، ومن حق المجتمع في المقابل أن يقرأ التجربة ويسأل عن نتائجها لا عن بريقها فقط، وبعد عدة دفعات يمكن مقارنة من قُبلوا وفق النظام الجديد بمن سبقهم معدلاتهم الجامعية، تعثرهم، استمرارهم، قدرتهم على اجتياز السنوات الأولى، وعندها تتحدث البيانات بدل الانطباعات.
المشكلة ليست في أن تصبح الثانوية صفرًا، ولا في أن تصبح القدرات والتحصيلي مئة، المشكلة أن نتصور أن مستقبل طالب أمضى سنوات في التعلم يمكن أن نعرفه كاملًا من نافذة واحدة.
فالمدرسة لا ينبغي أن تكون اثنتي عشرة سنة تنتهي قيمتها عند بوابة الجامعة، والاختبار لا ينبغي أن يكون ساعات قليلة تحمل فوق أوراقها وزن مستقبل كامل، والعدالة الحقيقية ربما تبدأ عندما نتوقف عن البحث عن رقم واحد يحكم على الطالب، ونبدأ في بناء منظومة تستطيع أن ترى الطالب من أكثر من زاوية.