الكاتب : النهار
التاريخ: ١١ سبتمبر-٢٠٢٦       4180

بقلم ـ عبد المحسن محمد الحارثي 

في منطقتنا، لا تسير الحروب دائمًا بقدر ما تسير بها المصالح. فالصاروخ الذي ينطلق من منصةٍ بعيدة لا يحمل متفجراته وحدها؛ يحمل معه رسالة سياسية، ويختبر دفاعاتٍ، ويقيس ردودًا، ويعيد ترتيب خرائط النفوذ. وكلما طال أمد الاشتباك، اتسعت الأسواق التي تعيش على الخوف، وكثرت الأطراف التي ترى في الدخان فرصةً لا أزمة.

المشروع الإيراني أدرك منذ وقتٍ مبكر أن المواجهة المباشرة مكلفة، فبنى مسارًا آخر: ترسانة صاروخية ومسيّرات، وأذرع مسلحة تتحرك في ساحاتٍ متعددة، وأدوار تتبدل بحسب الحاجة. فتبدو الجبهات متفرقة، بينما تتلاقى في غاية واحدة: إنهاك المحيط العربي، وإبقاء دوله منشغلةً بحماية حدودها ومنشآتها وأجوائها، بدل التفرغ لبناء قوتها ومستقبلها.

ولهذا لا يُقرأ ما يطال الأردن اليوم كحالةٍ معزولة. فالأردن لم يطلب أن يكون ساحةً للصراع، لكنه يقف في موقعٍ حساس بين حدودٍ ملتهبة وملفاتٍ متشابكة. واستهداف أمنه أو اختبار أجوائه هو اختبارٌ لفكرةٍ أكبر: هل يبقى كل بلدٍ عربي يتعامل مع الخطر وكأنه شأنه الخاص، أم تتحول الجغرافيا العربية إلى مجالٍ أمني واحد؟

هنا يظهر الخلل الحقيقي. ليس نقصًا في الرجال ولا في الإمكانات، بل في الفجوة بين القوة المبعثرة والقوة المنظمة. فالخصم لا يهاجم مواضع الصلابة، بل يفتش عن الفراغ: حدود لا تتصل معلوماتها، وأجواء لا تتكامل دفاعاتها، وتحالفات لا تُنسّق قراراتها، ودول لا تعرف موطن ضعفها إلا بعد أن يقع الفأس في الرأس.

إن من لا يراجع ثغراته بيده، سيكشفها له خصمه بطريقته. ومن لا يختبر جاهزيته في وقت السلم، سيدفع ثمن جهلها في وقت الحرب. فلا قيمة لقوةٍ لا تعرف أين تُستخدم، ولا لتحالفٍ لا يعرف متى يتحرك، ولا لسلاحٍ لا يسنده قرارٌ سياسي وإمدادٌ لوجستي وقدرةٌ على الاستمرار.

والحل ليس في صناعة تحالفٍ جديدٍ كلما ظهرت أزمة، بل في إنشاء مظلة عربية للتنسيق الاستراتيجي تستثمر التحالفات القائمة والحديثة وتمنع تضاربها. مظلةٌ تجمع الموقف السياسي، وتربط الإنذار المبكر والدفاع الجوي والصاروخي، وتحمي الممرات البحرية والمنشآت الحيوية، وتؤمّن المخزون والصيانة والتدريب والتصنيع الدفاعي.

تكون هذه المظلة عربية القرار، متكاملة مع الحلفاء الدوليين دون أن تذوب فيهم؛ تستفيد من الخبرة والتقنية، وتحفظ للدول العربية حقها في تحديد أولويات أمنها. فالشراكة مطلوبة، لكن أمن الأرض العربية لا ينبغي أن يبقى رهينًا لاختلاف مصالح الآخرين أو تغير مزاجهم السياسي.

أما إطالة الحرب، فهي الخطر الذي ينبغي فضحه. فحين تصبح الجبهات مفتوحة، تتضخم تجارة السلاح، وتتأثر الطاقة والملاحة، وتُنهك الاقتصادات، ويظهر من يحسب مكاسبه في عقود الحماية والإعمار. وهنا لا يكون السلام مطلبًا إنسانيًا فحسب، بل قرارًا استراتيجيًا يقطع الطريق على من يتكسب من الفوضى ويستثمر في الخراب.

المطلوب أن ينتقل الأمن العربي من ردّ الفعل إلى المبادرة؛ من انتظار الصاروخ إلى معرفة منصاته وشبكاته ومساراته قبل إطلاقه؛ ومن تحالفاتٍ متجاورة إلى قرارٍ واحدٍ لا يترك بين أعضائه فراغًا يستغله الخصم.

الحرب التي يطول كعبها لا تُهزم بالانتظار، بل بمنظومةٍ تعرف ضعفها، وتغلق ثغراتها، وتمنع الآخرين من تحويل أمن العرب إلى تجارةٍ أو ساحةٍ أو رسالة.