بقلم - حسين القفيلي
تمتلئ هواتفنا الذكية بمئات الأسماء والأرقام التي ترافقنا كظلّ خفي في عالم التواصل الرقمي، وكأنّ الحياة بدون الأصدقاء صحراء مقفرة لا حياة فيها. غير أن المعضلة الحقيقية لا تكمن في قائمة الأصدقاء الحقيقيين، بل في أولئك العابرين الذين تقودك الصدفة للمرور بأسمائهم وأرقامهم أثناء تصفح القائمة؛ أشخاص انقطعت كل صلة بهم، فلا عمل يجمعكم، ولا ودّ يُستدام، ولا هم ممن يحفظون خيط التواصل والاطمئنان بين فترة وأخرى.
هنا تحديداً تبدأ الحيرة المتأصلة؛ هل تحذف الرقم وصاحبه لتخفيف عبء الذاكرة، أم تبقي عليه تجنباً لتوبيخ الضمير وألا تكون أنت البادي بالبعد؟ تتأرجح النفس بين عتب الذات وبين التخلص من أسماء أصبحت في عداد الصداقة الميتة، لتصبح تلك الأرقام المخزنة تشبه تماماً الصور القديمة المخبأة في أدراج منسية؛ لا نكاد ننظر إليها، ولكننا نخشى التخلص منها. يتسلل شعور خفي بالذنب بمجرد التفكير في الضغط على زر "الحذف"، متسائلين: هل هو وفاء لما كان؟ أم خوف من لقاء صدفة نحتاج فيه الرقم؟ أم خشية من أن نكون الجناة الحقيقيين في حق علاقة ذبلت بمرور الأيام؟
لكن الحياة بطبيعتها محطات، والناس فيها كركاب قطار؛ منهم من يرافقنا المسافة كلها، ومنهم من تنتهي رحلته عند محطة منتصف الطريق. ورغم أن بقاء تلك الأسماء لا يضر ماديًا، إلا أنه يمثل عبئاً معنوياً صامتاً في فضاءاتنا الرقمية، يفتح نوافذ متكررة على ماضٍ انتهى.
في المقابل، فإن التخلص من هذه الأسماء لا يعد بحال من الأحوال جحوداً، بل هو ترتيب روحي لنطاقنا البشري. تماماً كما نرتب مكاتبنا وبيوتنا لنفسح المجال لما هو جديد ونافد، فإن ذاكرة الهاتف تحتاج أيضاً إلى تنقية تليق بحاضرنا وما نستحقه من صفاء ذهن وراحة بال؛ فالأصدقاء الحقيقيون هم من تضج أسماؤهم بالحياة، إما بسؤال دائم، أو بذكرى طيبة تُبعث فور رؤية الاسم لا بحرقة الغياب.