بقلم الاعلاميه : الهام المحمدي
نقضي جزءًا كبيرًا من حياتنا نبحث عن الأمان خارجنا؛ في شخص يحبنا، أو علاقة تحتوينا، أو مكان نرتاح فيه، أو ظروف نتمنى أن تستقر. لكننا مع التجارب نكتشف حقيقة أعمق: أن أقوى مساحة آمنة يمكن للإنسان أن يمتلكها هي تلك التي يبنيها داخل نفسه.
مساحتك الآمنة ليست جدرانًا تحيط بك، وليست حياة خالية من الخلافات أو الخسارات، بل هي قدرتك على العودة إلى ذاتك مهما ازدحم العالم من حولك.
هي أن تعرف قيمتك دون أن تنتظر من أحد أن يخبرك بها، وأن تحترم مشاعرك دون أن تسمح لها بأن تقود حياتك، وأن تمنح نفسك حق التوقف عندما تتعب، وحق البدء من جديد عندما تشعر أن الطريق لم يعد يشبهك.
كثيرون يخسرون سلامهم الداخلي وهم يحاولون المحافظة على كل شيء حولهم؛ علاقة، صداقة، صورة اجتماعية، أو حتى رضا الآخرين. وفي زحام إرضاء الجميع قد ينسى الإنسان الشخص الأهم الذي يحتاج منه الرضا والاحتواء: نفسه.
وهنا تبدأ المساحة الآمنة.
تبدأ عندما تتوقف عن محاكمة نفسك على نسخة قديمة منك. عندما تدرك أنك اتخذت بعض قراراتك بوعي تلك المرحلة، وأن أخطاء الأمس لا تعني أنك مطالب بالبقاء أسيرًا لها اليوم.
ليس كل ما حدث لك يجب أن يبقى معك.
بعض التجارب جاءت لتعلّمك، وبعض الأشخاص مرّوا ليكشفوا لك شيئًا عن نفسك، وبعض الأبواب أُغلقت حتى تتوقف عن الوقوف أمامها وتلتفت إلى أبواب أخرى تنتظرك.
النضج الحقيقي ليس أن تتحمل كل شيء بصمت، بل أن تعرف ما الذي يستحق منك الصبر، وما الذي يحتاج إلى حدود، وما الذي حان وقت تركه والمضي بعيدًا عنه.
ومساحتك الآمنة لا تعني أن تعزل نفسك عن الناس، بل أن تدخل علاقاتك وأنت مكتمل بقيمتك، فلا تتنازل عن نفسك خوفًا من خسارة أحد، ولا تجعل الحب مبررًا للاستنزاف، ولا تعتبر وضع الحدود قسوة.
فالحدود الصحية ليست أبوابًا نغلقها في وجوه الآخرين، بل أبواب نحمي بها سلامنا الداخلي.
ومن أجمل أشكال الأمان أن تتصالح مع فكرة أنك لن تستطيع التحكم في كل ما يحدث لك، لكنك تستطيع أن تختار كيف تستجيب لما يحدث. تستطيع أن تتعلم، وأن تعيد ترتيب حياتك، وأن تبدأ مرة أخرى حتى بعد أصعب المراحل.
الأمان أيضًا أن تعرف متى تصمت، ومتى تتحدث، ومتى تتمسك، ومتى تترك، ومتى تقول لنفسك بكل هدوء: هذه المرحلة انتهت، وأنا أسمح لنفسي أن أعيش ما هو أجمل منها.
وحين يقترب الإنسان من الله، ويثق بأن بعض التأخير حماية، وبعض الفقد بداية، وبعض الطرق التي لم تكتمل لم تكن له من الأساس؛ يصبح قلبه أكثر طمأنينة، لأنه لم يعد يحمل الحياة كلها على كتفيه.
نحن لا نحتاج دائمًا إلى حياة مثالية حتى نشعر بالسلام، بل نحتاج إلى علاقة أكثر رحمة مع أنفسنا، وإلى يقين يجعلنا نعرف أن العاصفة مهما اشتدت لن تستمر إلى الأبد.
اصنع مساحتك الآمنة كل يوم.
اصنعها في حديثك الجميل مع نفسك، وفي حدودك، وفي اختياراتك، وفي الأشخاص الذين تسمح لهم بالاقتراب منك، وفي لحظات صمتك، وفي دعائك، وفي قدرتك على أن تقول للماضي: تعلمت منك، لكنني لن أعيش فيك.
وفي النهاية، قد تكتشف أن المكان الذي بحثت فيه طويلًا عن الطمأنينة لم يكن بعيدًا عنك يومًا.
كان بداخلك.
فحين تصبح أنت مساحة آمنة لنفسك، لن تحتاج إلى أن يكون العالم كله هادئًا حتى تشعر بالسلام.