بقلم : جمعان الكرت
«وعند الاتجاه إلى سيدة السحاب، يتجلى جمالها الذي لا يتوقف عند الطبيعة وحدها؛ فبين جبالها تتناثر قرى تحمل ذاكرة المكان وفي هذه القرى تتجسد حكاية الإنسان والمكان؛ البيوت القديمة، والمزارع، والمقتنيات التراثية، والعادات، والأمثال، والحكايات التي تناقلتها الأجيال.
كما أن المتاحف الخاصة التي أقامها أبناء تلك القرى تمثل كنوزًا معرفية حقيقية؛ لأنها تحفظ تفاصيل الحياة اليومية للأجداد، من الملابس والحلي إلى الأدوات الزراعية والمنزلية.
ويأتي متحف الديرة نموذجًا متميزًا، وهنا تظهر قيمة الإنسان المحلي؛ فهو ليس مجرد مستقبل للسائح، بل هو راوٍ لتاريخ المكان وصانع لتجربته السياحية.
إن التحدي الحقيقي أمام المندق ليس في إثبات أنها جميلة؛ فهذا أمر يمكن لأي زائر أن يكتشفه.
التحدي هو: كيف نحول هذا الجمال إلى صناعة سياحية مستدامة؟
فالمندق بحاجة إلى مزيد من خيارات الإيواء التي تتناسب مع طبيعتها، مثل النزل الريفية والبيوت التراثية والمنتجعات الجبلية والمخيمات المنظمة، إضافة إلى المطاعم والمقاهي ذات الإطلالات، ومراكز الأنشطة والمغامرات، والمسارات السياحية المجهزة.
كما أن السياحة الزراعية يمكن أن تشكل منتجًا مهمًا، من خلال تحويل بعض المزارع إلى تجارب سياحية تتيح للزائر التعرف على المنتجات الزراعية المحلية، والمشاركة في بعض الأنشطة الموسمية، وتذوق المنتجات وشرائها من مصدرها.
وهذا النوع من السياحة لا يحقق المتعة للزائر فقط، بل يسهم في دعم المزارعين والأسر المنتجة، ويخلق مصادر دخل جديدة للمجتمع المحلي.
عند النظر إلى مستقبل المندق، فإن المؤشرات تبدو واعدة، حيث تشهد حراكًا متزايدًا في مجال السياحة والاستثمار والفعاليات، مع توجه نحو تنويع المنتجات السياحية وتعزيز السياحة المستدامة.
وقد أصبح الزائر اليوم يبحث عن أكثر من مجرد مكان جميل؛ إنه يبحث عن تجربة.
يريد أن يمشي في مسار جبلي، ويجلس في مقهى يطل على السحاب، وينام في نزل ريفي، ويتعرف على قرية تراثية، ويتذوق منتجًا محليًا، ويستمع إلى قصة من أحد أبناء المكان، ثم يعود إلى منزله حاملًا تجربة تستحق أن تُروى.
والمندق شرعت في ذلك، وهناك نماذج مثل مزرعة البروقي، وقرية الأطلال التراثية، وأكواخ الحازم، ومزرعة الجوري، وغيرها.
والفرصة الأكبر تكمن في صناعة روزنامة سياحية تمتد طوال العام؛ فالمندق لديها الربيع والخضرة، والصيف والضباب، ومواسم الأمطار، والفعاليات التراثية والثقافية، والمواسم الزراعية، والرحلات والمغامرات.
وبذلك يمكن الانتقال من مفهوم «السياحة الموسمية» إلى مفهوم «الوجهة السياحية المستدامة».
ولا نغفل أبدًا الإعلام بصفته الشريك المهم في صناعة الوجهة، ويبقى للإعلام دور حيوي.
فالإعلام لا ينبغي أن يكتفي بتغطية افتتاح فعالية أو نقل خبر عن مشروع، بل عليه أن يكتشف المكان ويقدم قصته، ويعرّف بمقوماته، ويبرز تجارب سكانه، ويضع المواقع السياحية في دائرة اهتمام الزائر والمستثمر.
كما أن صناعة المحتوى الرقمي أصبحت جزءًا أساسيًا من صناعة القرار السياحي؛ فصورة جميلة، وفيديو قصير، وقصة إنسانية، أو تجربة موثقة، قد تكون سببًا في أن يضع شخص ما المندق ضمن وجهاته القادمة.
لذلك فإن التسويق السياحي للمندق يحتاج إلى عمل مؤسسي تشترك فيه الجهات الحكومية والقطاع الخاص والإعلام وصناع المحتوى وأبناء المحافظة.
وأهم ميزة للمندق أنها لا تحتاج إلى أن تصبح نسخة من أي وجهة أخرى؛ فهي تملك هويتها الخاصة: جبالها الشامخة، وسحابها، وأوديتها، وقراها، وإنسانها.
وإذا أحسنا استثمار هذه العناصر، فإن المندق يمكن أن تتحول خلال السنوات المقبلة إلى واحدة من أبرز الوجهات السياحية في منطقة الباحة، ليس بكثرة المشاريع الضخمة، وإنما بجودة التجربة، والمحافظة على البيئة، وصون الهوية، وتشجيع الاستثمار المحلي.
إن مستقبل السياحة في المندق لا تصنعه الجبال وحدها، ولا الأودية، ولا الغابات، ولا السحاب.
يصنعه الإنسان الذي يعرف قيمة المكان، والمستثمر الذي يرى الفرصة، والجهة التي تخطط، والإعلام الذي يعرّف، والزائر الذي يجد تجربة تستحق العودة.
وفي النهاية، فإن السياحة الناجحة ليست أن يأتي الزائر مرة واحدة، بل أن يأتي، ويستمتع، ويتحدث للآخرين، ليعود مرة أخرى. وهذا هو الرهان الحقيقي.
بني حسن درة السراة، والمندق سيدة السحاب.. وجهتان سياحيتان متميزتان.