بقلم : د. علي بن عالي السعدوني
قبل زيارة فريق التقويم الخارجي بأيام تتحرك المدرسة بكل تفاصيلها تُفتح الملفات التي ظلت طوال العام تجمع الشواهد والتقارير، وتُراجع الخطط بندًا بندًا حتى لا يبقى فيها نقص، وتُحدّث البيانات في المنصات، وتُستكمل النماذج، وتُراجع نتائج نافس، وتتهيأ الفصول والممرات، ويصبح الجميع في حالة عمل متواصلة حتى تظهر المدرسة أمام فريق التقويم بصورة منظمة تعكس ما قامت به خلال العام، وهذا عمل له قيمته ولا يمكن التقليل من أهميته غير أن التعليم في معناه الحقيقي أكبر بكثير من يوم زيارة، وأعمق من ملف مرتب، وأبعد أثرًا من شاهد وُضع في مكانه الصحيح؛ لأن المدرسة لم تُنشأ حتى تتقن الاستعداد لمن يزورها، وإنما أُنشئت حتى تتقن بناء من يدخلها طالبًا كل صباح.
المدرسة في أصل فكرتها مكان جاء إليه الطالب وفي عقله مساحة تنتظر المعرفة، وفي لغته مساحة تنتظر النمو، وفي شخصيته ملامح تتشكل مع الأيام، وفي قدراته جوانب تحتاج إلى معلم يكتشفها ويأخذ بيده ثم يقضي سنوات من عمره بين فصل وكتاب ومعلم ونشاط وتجربة حتى يخرج وهو يقرأ بصورة أفضل ويفهم ما يقرأ بوعي دقيق، ويكتب ما يدور في ذهنه بلغة واضحة، ويتعامل مع الأرقام بفهم لا بحفظ ، ويناقش الفكرة ويحللها ويعرف كيف يصل إلى المعلومة، ويحترم الآخرين ويتحمل المسؤولية ويعرف قيمة الوقت والعمل والنظام، وهذا هو النتاج الحقيقي الذي يستحق أن تتجه إليه التقويم قبل أن تنشغل بتفاصيل كثيرة يمكن توثيقها وترتيبها وعرضها.
لدينا اليوم قدرة كبيرة على صناعة الشاهد بصورة جميلة نصور النشاط ونوثق البرنامج ونكتب التقرير ونصمم خطة التحسين ونرتب الصور ونرفع المرفقات ونضع لكل ممارسة ما يدل على تنفيذها، وقد يصبح لدينا في نهاية الأمر ملف متكامل يصعب أن تجد فيه خانة فارغة أو نموذجًا ناقصًا غير أن الطالب لا يمكن التعامل معه بالطريقة نفسها، فلا يمكن تجهيزه قبل الزيارة بأيام، ولا يمكن تحديث مستواه بضغطة زر، ولا يمكن رفع مهاراته على منصة في ليلة واحدة؛ لأن القراءة التي لم يتقنها تحتاج إلى أشهر من المتابعة والصبر، والفهم الذي لم يتكون يحتاج إلى معلم يعرف كيف يصل إلى عقل الطالب، والضعف في الرياضيات يحتاج إلى تشخيص ومعالجة وممارسة، واللغة التي لم تنمُ تحتاج إلى قراءة وكتابة وحوار، والشخصية التي لم تجد من يبنيها تحتاج إلى مدرسة كاملة تؤمن أن التربية ليست حصة في الجدول وإنما حياة يعيشها الطالب كل يوم.
وتظهر قيمة نتائج نافس عندما نخرج بها من الجداول إلى الفصول، فالأرقام وحدها لا تعلم طالبًا ولا تعالج ضعفًا ولا تبني مهارة، وقيمتها تبدأ عندما يعرف معلم القراءة أن طلابًا لديه يقرؤون الكلمات ولا يفهمون المعنى، فيغير طريقته ويعيد بناء المهارة معهم، وعندما يعرف معلم الرياضيات الموضع الذي يتعثر فيه طلابه فيعود إليه ويشرحه بطريقة أخرى، وعندما يكتشف معلم العلوم أن الطالب يحفظ المفهوم ولا يستطيع تطبيقه في موقف مختلف، فينقل الدرس من الحفظ إلى الفهم والتجربة، وعندها تتحول نافس من نتيجة محفوظة في تقرير إلى عمل حي داخل الفصل، ومن نسبة تظهر على الشاشة إلى طالب كان متعثرًا فتقدم، وكان يحفظ فأصبح يفهم، وكان ينتظر الإجابة فأصبح يعرف الطريق الذي يقوده إليها.
وخطة التحسين لا تأخذ قيمتها من جمال عباراتها ولا من عدد صفحاتها، وإنما من طالب وصل إليه أثرها وتغير مستواه بسببها، والتدريب المهني لا تكتمل قيمته بالشهادة التي يحملها المعلم بعد انتهاء البرنامج، وإنما تظهر قيمته عندما يدخل المعلم فصله بطريقة مختلفة ويشرح بصورة أفضل ويكتشف ضعف طلابه بصورة أسرع، والشراكة الأسرية لا تقاس بكثرة الاجتماعات والرسائل ، وإنما بما أحدثته من تعاون حقيقي بين البيت والمدرسة حول مستوى الابن وحضوره وسلوكه وتعلمه، والزيارة الصفية لا تحتاج إلى حصة استثنائية أُعدت بعناية لأن زائرًا سيدخل الفصل، لأن الحصة الطبيعية التي يعيشها الطالب كل يوم أكثر قدرة على كشف جودة المدرسة من حصة جميلة صنعت لموعد محدد.
والتقويم الخارجي يحقق قيمته الكبرى عندما يخفف شيئًا من ثقافة (جهزوا المدرسة للزيارة)، ويجعل ثقافة (جهزوا الطالب للحياة) حاضرة في تفاصيل العمل المدرسي طوال العام؛ لأن المدرسة التي تعمل من أجل الطالب منذ صباح اليوم الأول لن يربكها دخول مقيم إلى فصل، ولن تضطر إلى البحث في الأيام الأخيرة عن ممارسة غائبة أو شاهد مفقود، ولن تحتاج إلى أن تغير شكل يومها المعتاد حتى تبدو بصورة أفضل، فعملها موجود في حصصها، وخططها تتحرك في ممارسات معلميها، وأثرها ظاهر في مستوى طلابها، والشاهد الذي يبحث عنه المقيم أمامه يمشي في الممر، ويجلس على المقعد، ويفتح كتابه، ويقرأ ويتحدث ويكتب ويحل ويفكر.
الطالب هو الملف الأصعب في المدرسة؛ لأنه ملف لا يقبل الترتيب في الليلة السابقة للزيارة، ولا يمكن إخفاء نقصه بصورة جميلة أو تقرير مكتوب بعناية، فإذا بقي الطالب بعد سنوات من التعليم ضعيفًا في القراءة، محدودًا في الفهم، مرتبكًا في التعبير، عاجزًا عن التعامل مع المهارات الأساسية فإن كثرة النماذج لن تمنح هذا الضعف اسمًا آخر، والصور لن ترفع مستواه، والتقارير لن تعوض المهارة التي لم يتعلمها، والشواهد مهما كثرت لن تصنع أثرًا لم يصل إلى عقله أصلًا.
نريد مدرسة تنظر إلى التقويم باعتباره فرصة لمعرفة أثرها الحقيقي في أبنائها لا موسمًا قصيرًا لإعادة ترتيب صورتها أمام الزائر، مدرسة يكون اهتمامها بالطالب في صباح يوم عادي من أيام الدراسة هو الاهتمام نفسه الذي تمنحه له في صباح يوم التقويم؛ لأن الجودة التي تعيش داخل المدرسة طوال العام لا تحتاج إلى زينة إضافية عندما يأتي المقيم، والعمل الذي ترك أثره في الطالب لا يحتاج إلى كثير من الكلام حتى يثبت نفسه.
وفي كل مرة نتحدث فيها عن جودة المدرسة، وعن الخطط والمؤشرات والشواهد والبرامج والتدريب والمنصات والنتائج علينا أن نعيد هذه التفاصيل كلها إلى المكان الذي يمنحها معناها الحقيقي إلى الطالب الذي جاءت المدرسة من أجله، فالخطة تنتهي عنده، والتدريب ينعكس عليه، والمعلم يعمل معه، والقيادة تخدم تعلمه، ونافس تقرأ جانبًا من مستواه، والتقويم يتتبع أثر كل ذلك في نتاجه.
فالملفات تخبر فريق التقويم بما قالت المدرسة إنها فعلته، والشواهد تخبره بما نفذته ووثقته، والخطط تخبره بما أرادت الوصول إليه، أما الطالب فيحمل الحكاية كاملة، وفي قراءته وفهمه ومهارته وسلوكه يظهر ما فعلته المدرسة فعلًا.