بقلم: عبدالله الكناني
*تمثل المسارات المرورية نظامًا هندسيًا يوزع حركة المركبات، ويقلل نقاط التعارض، ويحافظ على تقارب السرعات، ولذلك لا تعد الخطوط المرسومة على الطريق مجرد علامات تنظيمية، بل تشكل عنصرًا أساسيًا في كفاءة الشبكة وسلامة مستخدميها،وكلما التزم السائق بمساره، واختار المسار المناسب قبل المخرج بوقت كافٍ، انخفضت الحاجة إلى الفرملة المفاجئة، وتحسنت قدرة الطريق على استيعاب الحركة.*
وتظهر أهمية هذا التنظيم في المدن الكبرى التي تضم طرقًا يتراوح عرضها بين ثلاثة وتسعة مسارات، *فزيادة عدد المسارات ترفع الطاقة الاستيعابية نظريًا، لكنها لا تضمن الانسيابية عمليًا إذا تكررت الانتقالات العشوائية، أو استُخدم المسار الأيسر للسير البطيء، أو حاول بعض السائقين تجاوز الصفوف عند المخارج*
، ويؤدي كل انتقال مفاجئ إلى دفع المركبات الخلفية نحو التباطؤ، ثم تنتقل الفرملة في صورة موجة متتابعة، فينشأ ما تسميه هندسة المرور «الازدحام الوهمي»، حتى من دون حادث أو إغلاق للطريق.
وتقدم *مدينة الرياض* مثالًا واضحًا على هذه المعادلة، فهي تتمتع، بحمد الله، بطرق سريعة وشوارع فسيحة، ولوحات إرشادية متكاملة في الكتابة والرموز، كما يحضر رجال المرور والدوريات في التقاطعات والمواقع المزدحمة، كم تتوفر بالمدينة وسائل نقل عام حديثة تشمل قطار الرياض وشبكة الحافلات، وتطبق جهات عديدة تنظيمات الدوام المرن لتوزيع الرحلات على أوقات مختلفة.
*ومع ذلك، يستمر الازدحام في بعض المحاور* وتزيده فوضى القيادة وعدم الالتزام بالمسارات حدةً وتعقيدًا.
ولا تتحقق فاعلية النقل العام بمجرد توفره، بل ترتبط بسهولة الوصول إلى المحطات، وتكامل الرحلة الأخيرة، وانتظام المواعيد، وتوافر المعلومات اللحظية. وتخفف كل رحلة تنتقل من المركبة الخاصة إلى القطار أو الحافلة الضغط على الطرق، لكن أثرها يتدرج مع نمو الاستخدام وتغير العادات اليومية.
وتضيف المشاريع التنموية والإنشائية المتعددة عبئًا مؤقتًا على شبكة الطرق، إذ تخفض التحويلات سعة بعض المسارات، وتغير أنماط الحركة المعتادة، وتجمع المركبات في نقاط محددة، كما تؤثر الظروف الجوية، مثل الأمطار والغبار وضعف الرؤية، في سرعة التدفق ومسافات الأمان، غير أن هذه العوامل لا تفسر المشكلة كاملة، لأن السلوك المروري غير المنضبط يضاعف أثرها، وقد يحول تباطؤًا محدودًا إلى اختناق يمتد مسافات طويلة.
*ويتطلب الحل* الانتقال من معالجة الازدحام بعد حدوثه إلى إدارته استباقيًا بالبيانات، وتتيح الكاميرات والمستشعرات وأنظمة الذكاء الاصطناعي قياس كثافة المركبات، ورصد التوقف المفاجئ، وتحليل أكثر المواقع تعرضًا لتغيير المسار الخاطئ، كما تسمح اللوحات الإلكترونية بتوجيه السائقين مبكرًا، وتعديل السرعات الإرشادية، واقتراح طرق بديلة، بينما تساعد الإشارات المتكيفة في تغيير توقيتها وفق التدفق الفعلي بدل الاعتماد على جداول زمنية ثابتة.
ويحتاج *نجاح التقنية* إلى تنظيم هندسي واضح، فينبغي تكرار الأسهم الأرضية قبل المخارج، وتخصيص مسافات كافية للاندماج، وفصل المسارات عند نقاط الاختناق، ومراجعة مواقع التحويلات بصورة مستمرة، ويحتاج كذلك إلى رقابة تستهدف المخالفات المؤثرة مباشرة في الانسيابية، مثل قطع المسارات، وتجاوز طوابير المخارج، والانشغال بالهاتف، والتوقف غير النظامي، مع توعية تربط المخالفة بأثرها في وقت المجتمع وسلامته، لا بقيمة الغرامة وحدها.
ولا يخفى هذا التحدي على القيادات المرورية والإدارية والتنظيمية، وفي مقدمتها الهيئة الملكية لمدينة الرياض والإدارة العامة للمرور، اللتان تديران نموًا حضريًا وحركة يومية واسعة.
ويظل التكامل بين التخطيط الحضري والنقل العام وإدارة المشاريع والرقابة المرورية شرطًا لتحقيق أثر مستدام، لأن كل جهة تعالج جزءًا من منظومة مترابطة.
ويبدأ *الحل الأهم* من السائق نفسه، فالطريق مساحة مشتركة، وليس ميدانًا لتحقيق تقدم فردي على حساب الآخرين، ويحفظ الالتزام بالمسار، واستخدام الإشارة، وترك المسافة الآمنة، والتخطيط المبكر للوجهة، وقت آلاف المستخدمين.
فالرياض لا تعاني نقص الطرق، بل تواجه أحيانًا سوء استخدام المساحة المتاحة، ولذلك تصنع التقنية الحلول، ويصنع التنظيم الكفاءة،
لكن السلوك المسؤول للسائق،يبقى العامل الذي يحول الطريق الواسع إلى حركة آمنة وانسيابية.