الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٥ سبتمبر-٢٠٢٦       4290

بقلم: ياسين سالم

تظهر في الحياة السياسية وجوه تبدو قريبة من الحكومات ومراكز القرار، تمدح مواقفها، وتدافع عن سياساتها، وترفع شعارات الولاء والانتماء، غير أن التأمل في طبيعة هذا القرب يكشف أنه ليس واحدًا في دوافعه أو غاياته أو مداه، فهناك تأييد يصدر عن قناعة وطنية وموقف مسؤول، وهناك تقرّب تحكمه المصلحة السياسية الآنية، وثمة نفوذ آخر يتحرك بهدوء وعلى مدى طويل لخدمة أجندات تتجاوز المصلحة الوطنية.

 

ومن المهم التمييز بين نمطين من هذا السلوك، الانتهازي السياسي الذي تتغير مواقفه بتغير المصالح والظروف، وصاحب الأجندة الخارجية الذي يعمل على بناء نفوذه بصورة متدرجة ومحسوبة، وقد يتشابهان في الخطاب المؤيد وإظهار القرب من مراكز القرار، لكنهما يختلفان في الدوافع والأهداف وطريقة العمل.

 

فالانتهازي السياسي تحكم مواقفه المصلحة الآنية أكثر مما تحكمها المبادئ الثابتة، ويقترب من الحكومة عندما تتوافق قراراتها مع حساباته، ويؤيد اتفاقاتها ومواقفها متى وجد فيها فرصة لتعزيز حضوره أو استعادة تأثيره، وقد يوظف بعض القضايا الكبرى، ومنها القضية الفلسطينية ومواجهة التمدد الصهيوني، في خطابه السياسي، من دون أن يكون التزامه بها ثابتًا أو منسجمًا مع ممارساته.

 

ويظل هذا التأييد مؤقتًا ومرتبطًا بتوازنات المرحلة، فإذا تغيرت المصالح أو تبدلت الظروف، عاد صاحبه إلى الخصومة والنقد، وربما حاول إعادة صياغة تاريخه السياسي بما يخدم موقعه الجديد، ومع ذلك، يبقى هذا النمط سهل الاكتشاف نسبيًا، لأن تناقضاته تظهر عند مقارنة مواقفه السابقة بمواقفه اللاحقة، ولأن انتقاله بين التأييد والمعارضة يحدث غالبًا بصورة واضحة ومتسارعة.

 

أما صاحب الأجندة الخارجية طويلة المدى، ولا سيما من يعمل على الترويج لمشروع سياسي مرتبط بالنفوذ الصهيوني، فإنه يتحرك بطريقة أكثر تدرجًا وتعقيدًا، فهو لا يبني حساباته على موسم سياسي عابر، ولا يستعجل الوصول إلى أهدافه، بل يحرص على صناعة صورة مقبولة لنفسه، ويستخدم خطاب الوطنية والولاء، ويعمل على توسيع علاقاته وبناء شبكة من المؤيدين لأفكاره وتوجهاته.

 

ولا يعني ذلك توجيه الاتهام إلى كل صاحب رأي مختلف أو موقف سياسي مغاير، فالاختلاف حق، وتعدد وجهات النظر أمر طبيعي في المجتمعات الحية، إنما المقصود هو السلوك الذي تكشفه الوقائع الموثقة، وتظهر من خلاله محاولات توظيف القرب من مراكز القرار لتمرير أجندات لا تنسجم مع المصالح الوطنية أو الثوابت السياسية للمجتمع.

 

ويختلف هذا النمط عن الانتهازي السياسي في أنه أكثر صبرًا وأقل تقلبًا في مظهره الخارجي، فقد يستمر في تأييد الحكومة والتودد إلى مؤسساتها حتى في المراحل التي لا تحقق له مكاسب مباشرة، لأنه ينظر إلى التأثير بوصفه عملية تراكمية تحتاج إلى وقت، كما يحرص على تقديم أفكاره ضمن عبارات عامة ومقبولة، ويتجنب الكشف المباشر عن غاياته، ويواجه الانتقادات بخطاب دفاعي يسعى من خلاله إلى نفي ارتباط مواقفه بأي مشروع خارجي.

 

ويمثل النمطان تحديًا أمام الحكومات والمجتمعات، ولكن بصورة مختلفة، فالانتهازي السياسي يسعى غالبًا إلى منفعة قريبة أو حضور مؤقت، وقد يقبل بالواقع حين تتعذر عليه المكاسب التي يطمح إليها، أما صاحب الأجندة الممتدة فيعمل على بناء تأثير سياسي وفكري طويل المدى، ويزرع اليوم ما يأمل أن يحصده في المستقبل، مستفيدًا من العلاقات العامة والخطاب الإعلامي وتراكم الحضور داخل المشهد.

 

ولا تكمن المشكلة في المدح أو التأييد في ذاتهما، فالتأييد حق عندما يقوم على القناعة والمسؤولية والمصلحة الوطنية، إنما تظهر المشكلة عندما يتحول المدح إلى وسيلة لإخفاء المصلحة الشخصية أو تمرير مشروع غير معلن، فليس كل من يؤيد الحكومة انتهازيًا، كما أن المعارضة أو الاختلاف لا يجعلان صاحبهما خصمًا للدولة، وإنما يتمثل المعيار الحقيقي في ثبات المبادئ، ووضوح المواقف، واحترام المؤسسات، ومدى انسجام السلوك مع المصلحة الوطنية.

 

إن كثرة الأصوات المحيطة بمراكز القرار قد تبدو مصدر قوة، لكنها تحتاج دائمًا إلى قراءة واعية تميز بين التأييد الصادق، والموقف المصلحي المتقلب، والنفوذ الذي يتشكل تدريجيًا لخدمة أجندة خارجية، ولا يتحقق هذا التمييز بإطلاق الأوصاف أو محاكمة النيات، بل بمتابعة المواقف، والتحقق من الوقائع، وقياس أثر الخطاب والممارسة في الدولة والمجتمع.

 

وتبقى المسؤولية الكبرى في عدم الاكتفاء بظاهر الكلمات، فالولاء الحقيقي لا يقاس بكثرة عبارات المديح، بل بثبات الموقف عند الأزمات، وتقديم المصلحة الوطنية على المكاسب الشخصية، وحماية استقلال القرار من أي نفوذ خارجي، ومن يدرك الفارق بين المصلحة العابرة والأجندة الممتدة، يستطيع قراءة المشهد بوعي أكبر، فلا يخدعه تأييد مؤقت، ولا يغيب عنه مشروع يتقدم بهدوء تحت عناوين براقة.