الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٥ سبتمبر-٢٠٢٦       6215

بقلم : الهام المحمدي

نبحث كثيرًا عن الحب في الخارج، ننتظره من شخص، أو كلمة، أو اهتمام، أو علاقة تشعرنا بأننا مهمون ومحبوبون. لكن مع التجارب والوعي نكتشف حقيقة جميلة: الحب الذي نبحث عنه طويلًا يبدأ أولًا من داخلنا.

حين تحب نفسك، لا يعني ذلك أنك أصبحت أنانيًا أو أنك لا تحتاج إلى الآخرين، بل يعني أنك لم تعد تجعل قيمتك معلّقة بوجود أحد أو غيابه. تعرف من أنت، وتحترم مشاعرك، وتقدّر احتياجاتك، ولا تسمح لأحد أن يجعلك تشك في قيمتك.

الحب من الداخل هو أن تنظر إلى نفسك برحمة بدلًا من القسوة، وأن تتوقف عن جلد ذاتك بسبب أخطاء مضت. أنت لم تكن تملك بالأمس الوعي نفسه الذي تملكه اليوم، وبعض اختياراتك القديمة لم تكن فشلًا، بل كانت دروسًا أوصلتك إلى هذه النسخة الأكثر فهمًا منك.

أحيانًا نظن أننا نحتاج إلى شخص آخر ليملأ الفراغ في داخلنا، فنمنحه مسؤولية إسعادنا وطمأنتنا وإثبات قيمتنا. وعندما يتغير أو يبتعد نشعر وكأن شيئًا منا قد رحل معه.

لكن عندما يبدأ الحب من داخلك، تتغير المعادلة.

تحب الآخرين لأنك تريد مشاركتهم الحب، وليس لأنك تنتظر منهم أن يمنحوك قيمة لا تراها في نفسك.

وحب الذات لا يظهر في الكلمات فقط، بل في التفاصيل الصغيرة: في اختيارك لما يريحك، وفي احترام جسدك، وفي الوقت الذي تمنحه لنفسك، وفي قولك «لا» لما يستنزفك، وفي ابتعادك عن علاقة تؤلمك باستمرار، وفي عدم إجبار نفسك على البقاء في مكان لم يعد يشبهك.

ومن أجمل أشكال الحب أن تسامح نفسك.

سامح نفسك على الوقت الذي أضعته، وعلى الفرص التي لم تستغلها، وعلى الأشخاص الذين أعطيتهم أكثر مما يستحقون، وعلى المرات التي وضعت فيها الآخرين قبلك حتى نسيت نفسك.

التسامح مع الذات لا يغيّر الماضي، لكنه يحررك من أن تعيش أسيرًا له.

وحين يبدأ الحب من داخلك، تتغير حدودك أيضًا. تدرك أن الطيبة لا تعني أن تقبل كل شيء، وأن التسامح لا يعني السماح بتكرار الأذى، وأن العطاء الجميل لا يعني أن تعطي حتى تستنزف نفسك.

تستطيع أن تكون إنسانًا محبًا وفي الوقت نفسه تقول: هذا لا يناسبني.

تستطيع أن تسامح دون أن تعود.

وتستطيع أن تحب شخصًا وتختار نفسك عندما تصبح العلاقة على حساب سلامك.

الحب الحقيقي للذات يجعلك أكثر هدوءًا، لأنك تتوقف تدريجيًا عن مقارنة حياتك بحياة الآخرين. تدرك أن لكل إنسان رحلته وتوقيته ورسالته، وأن نجاح شخص آخر لا ينتقص من نجاحك، وجمال غيرك لا يسلب جمالك، ورزق الآخرين لا يأخذ من رزقك.

وأؤمن أن أعظم أنواع الحب هو ذلك الحب الذي يقودك إلى السلام مع نفسك وإلى القرب من الله؛ أن تعرف أنك مخلوق بقيمة، وأن الله لم يخلقك لتعيش عمرك كله تحاول إثبات أنك تستحق الحب.

ابدأ بنفسك.

اسألها: ماذا تحتاجين مني اليوم؟

هل تحتاج إلى الراحة؟ إلى الاهتمام؟ إلى كلمة طيبة؟ إلى حدود؟ إلى قرار مؤجل؟ إلى أن تتوقف عن لومها؟

ثم امنح نفسك بعضًا مما كنت تنتظر أن يمنحه لك الآخرون.

قل لنفسك الكلمات التي تمنيت سماعها. احتفل بإنجازاتك الصغيرة. احترم تعبك. امنح قلبك فرصة جديدة، ولا تجعل تجربة قديمة تقنعك بأن كل القادم سيكون مثلها.

الحب من الداخل لا يعني أن حياتك ستصبح بلا ألم، ولكنه يعني أنك لن تتخلى عن نفسك عندما يأتي الألم.

ستكون أنت السند الداخلي لنفسك، وستعرف كيف تعود إليها مهما ابتعدت.

وأجمل ما يحدث عندما تمتلئ من الداخل أنك لا تعود تطارد الحب؛ بل تصبح أكثر قدرة على اختياره بوعي. تدخل العلاقات وأنت مكتمل القيمة، لا تبحث عمن ينقذك، وإنما عمن يشاركك الحياة باحترام وصدق ومودة.

الحب يبدأ من داخلك…

من قبولك لنفسك، ومن احترامك لحدودك، ومن تصالحك مع ماضيك، ومن حديثك الجميل مع ذاتك، ومن يقينك بأنك تستحق حياة فيها سلام ومودة وكرامة.

وحين تمنح نفسك هذا الحب، ستكتشف أن العالم من حولك بدأ يبدو مختلفًا؛ ليس لأن الجميع تغيروا، بل لأن أنت تغيرت من الداخل.

فلا تنتظر الحب ليأتي ويخبرك بقيمتك…

اعرف قيمتك أولًا، أحب نفسك، ثم دع الحب الجميل يجد طريقه إليك.